“الذبح المقدس في الثقافة العربية” جذوره وتمثلاته

إن اغلب الأفراد في العالم العربي يعتقدون أن فكرة الذبح ناتجة عن حينما اهتدى إبراهيم إلى ربه، الله الواحد الأحد، ووجد الناس من حوله يقدمون القرابين البشرية لآلهة لا تنفع ولا تضر، ألحت عليه فكرة تقديم قربانا لله، حتى صار يرى أنه يذبح ابنه، وتكررت الرؤيا، فأيقن أنها ليست مجرد رؤيا، بل توجيه الهي وليست رؤية بالعين، بل إدراك بالفؤاد، وحين أجابه ابنه (انظر ماذا ترى) قصد أنظر ما هو رأيك، وقوله (افعل ما تؤمر) يدل على استجابة لأمر الهي وليس مجرد منام، وقد فهمه إسماعيل من مقام نبوة بأن المسالة ابتلاء وامتحان. ثم عقدا العزم على تنفيذ الأمر وشرعا في ذلك، فجاء نداء الله تعالى لإبراهيم ليتوقف عن الذبح ويعلم أن المسألة ليست قتل وذبح وإنما ابتلاء…وثم تعويض الذبائح البشرية بالحيوان, لكن مسألة الذبح المقدس هذه تتطلب غوصا في الجذور كونها لا زالت مستمرة ولا يمكن أن تكون هذه الحادثة بدايتها، بل جزءا من ثقافة الشعوب العربية وغيرها، بغض النظر عن ما إذا كان الدافع وراءها دينيا أو اجتماعيا. وسأتناول الحديث عن هذه الشعيرة من منظور تاريخي مسلطة الضوء على جزء من حياة وثقافة الأسلاف.
تعتبر القرابين جزءا مهما من عبادة الأمم القديمة، بل تكاد تكون العلامة الفارقة عندهم للدين، والرجل المتدين في عرف العرب وغيرهم هو الرجل الذي يتذكر آلهته ويضعها دائما نصب عينيه، وذلك بتقديم القرابين لها، ولست أخطئ إذا قلت إنها كانت عندهم أبرز من العبادات العملية كالصلوات، لأن الإنسان القديم لم يكن يفهم آنئذ من الحياة إلا مفهومها المادي. وهو يرى بعينيه ويدرك ان ما يقدم إليه من هدايا يؤثر في نفسه كثيرا، ولذلك كان من الطبيعي أن يتصور بعقله أن القرابين هي أوقع في نفوس آلهته من أي شيء كان، فقدمها على كل شيء، وجعلها عبادة يتقرب بها إلى الآلهة كما يتقرب أهل الأديان السماوية إلى الإله بالدعاء والصلوات، فهي في نظره عبادة تقربه إلى الأرباب.
وقد كان الجاهليون يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح، حيث يرون أن تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح، وان الذبائح من تقوى القلوب، والذبح هو الشعار الدال على الإخلاص في الدين عندهم، وعلامة التعظيم. وقال المسلمون: “يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه”. ويظهر من قول احد الشعراء الجاهليين:
فلا لعمر الذي مسحت كعبته وما هُريق على الأنصاب من جسد
أن الجاهليين كانوا يريقون دم الضحية على الأنصاب، وهي موضوعة في الكعبة، ويمسحون الكعبة.
ومن القرابين ما يقدم في أوقات معينة موقوتة، ومنها ما ليس له وقت محدد ثابت بل يقدم في كل وقت. ومن أمثلة النوع الأول ما يقدم في الأعياد أو في المواسم أو في الأشهر أو في أوقات معينة من اليوم وفي ساعات العبادات، ومن أمثلة النوع الثاني ما يقدم عند ميلاد المولود، أو إنشاء بناء أو القيام بحملة عسكرية أو لنصر أو ما شابه ذلك من الأحوال. ويدخل في النوع الأول الاحتفال بأعياد الآلهة، حيث تكسى أصنامها أحسن الحلل, وتزين بأجمل زينة، ثم يوضع أمامها ما لن من الطعام وما حسن من الهدايا، وتذبح لها الذبائح، تذبح على الأنصاب، ويأتي الكهان ليقوموا بتأدية الشعائر الدينية المقررة في هذه الأحوال.
ومعظم نصوص المسند كتابات دونت عند تقديم قربان أو نذر إلى الآلهة في ميلاد مولود، أو شفاء مريض، أو بناء معبد أو بيت، أو حفر خندق أو تشييد برج أو سور، أو حفر بئر أو زواج أو ما شاكل ذلك. ويظهر منها أن الناس في ذلك العهد كانوا يقدمون القرابين إلى آلهتهم في مناسبات كثيرة، تقربا إليها وإرضاء لها، ولكي تمن على أصحابها بالخير والبركة. وقد كانوا يذبحون الذبائح ويسكبون دمائها على النصب كله أو بعضه، أو أنهم يتركونه يسيل إلى (الغبغب).
وهناك ذبائح من نوع أخر قدمها الإنسان العربي القديم إلى آلهته، من نوع لا تشمله كلمة خروف أو شاة أو بقرة أو ثور أو جمل، من نوع آخر لا تشمله أية تسمية من هذه التسميات التي تطلق على هذه الحيوانات التي يأكلها الإنسان في العادة، هي ذبائح يعاقب عليها القانون كل من يمارسها في الوقت الحاضر بأشد العقوبات، هي ذبائح بشرية قدمها الإنسان إلى آلهته لاعتقاده أنها زلفى محببة إلى نفوسها، وأنها ستفيد المجموع وتنقذه من كثير من الأوبئة و الأمراض وأنواع الشر والضر، إن كان الإنسان الحالي يتبرأ منها في الزمن الحاضر ويتنكر لها ويحاول تبرئة أجداد أجداده من ممارستها قبل مئات من السنين، فالتاريخ لا يستطيع أن يجد دليلا يثبت تبرئة أكثر أديان شعوب العالم القديمة من تقديم هذا النوع من القرابين.
فقد ذكر (فورفيريوس) أن أهل (دومة) بالجزيرة العربية كانوا يذبحون في كل سنة إنسانا عند قدم الصنم تقربا إليه. وذكر نيلوس أن من عادة بعض القبائل تقديم أجمل من يقع أسيرا في أيديهم إلى (الزهرة)، ضحية لها تذبح وقت طلوعها، وقد وقع ابنه (تيودولس) أسيرا حوالي سنة 400م في أيدي الأعراب، وهيئ ليذبح قربانا إلى الزهرة غير أن أحوالا وقعت أفاتت عليهم الوقت المخصص لتقديم الذبائح. وذكر أيضا أن الملك (المنذر) ملك الحيرة قدم أحد أبناء الحارث الذي وقع أسيرا في يديه ونحو من أربع مائة راهبة قرابين إلى العزى.
وتلعب (المذابح) التي سبق أن تحدثت عنها، دورا خطيرا في العبادة عند الساميين، بل تكاد تكون المظهر الأساسي للدين والتعبد عندهم في ذلك العهد. ولهذا كان المتدين يكثر من الذبائح لأنها تقربه إلى الآلهة في نظره.
وقد عرف شهر (رجب ) بكثرة ما كان ينحر فيه من العتائر للأصنام، فلا بد أن يكون لذلك أصل وسبب، كان يكون هذا الشهر من الأشهر التي كان لها حرمة خاصة في الجاهلية القديمة. وشهر رجب من الأشهر الحرم المعظمة التي لم يكن يحل فيها القتال. وقد سمي الذبح في هذا الشهر ب (الترجيب)، وقيل للذبائح التي تقدم فيه (العتائر) جمع (عتيرة). وقد عدت العتائر من شعائر الجاهلية.
وذكر أهل الأخبار أن أول من عتر العتائر وسن العتيرة للعرب، هو (بورا) ، (بوز)، وهو ابن شوحا، وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب. وهو ابن يعمانا، وهو قموال، وكان في عصر سليمان ابن داوود. والظاهر أن احد آهل الكتاب قص على الإخباريين هذه القصة، فنسبوا هذه السنة الجاهلية إلى هؤلاء الأشخاص.
وكان بعض السادة ينحرون إذا أهل (الشهر الأصم)، أي ( شهر رجب). روي: إن (حاتما الطائي) كان ينحر إذا أهل الشهر ، ينحرا عشرا من الإبل ويطعم الناس لحومها، وذلك لحرمته ومنزلته عنده، ولتعظيم (مضر)، فهو من شهود مضر الخاصة. وقيل للذبائح التي تقدم فيه (النسائك) كذلك.
والعرف في الذبح عندهم، أنهم كانوا يسوقون ما يريدون تعتاره أي ذبحه إلى النصب الخاص بالصنم أو إلى الصنم نفسه، ثم يذبحونه بعد التسمية باسم ذلك الصنم، وبيان السبب في ذبح هذه العتيرة ثم يلطخ رأس ذلك الصنم بشيء من دم تلك العتيرة. وقد منع الناس في الإسلام من أكل ذبائح من على غير عقيدتهم، لأنها لم يذكر عليها اسم الله. بل كانوا يذكرون اسم الصنم الذي يذبحون له عليها. فحرم هذه الذبائح على المسلمين.
وقد اختلف الناس في الإسلام عن غيرهم بإبطال (الرجبية) وهي العتيرة، كما أبطل (الفرع)، وهو ذبح أول نتاج الإبل والغنم لأصنامهم، فكانوا يأكلونه ويلقون جلده على الشجر. ويذكر أنهم كانوا إذا أرادوا ذبح الفرع زينوه والبسوه، ليكون ذلك أوكد في نفوس الآلهة، وتعريفا للناس. وكانوا يفعلون ذلك تبركا.
وذكر انه ما إذا بلغت الإبل ما يتمناه صاحبها، أو إذا تمت ابل احدهم مائة عتر عنها بعيرا كل عام فأطعمه الناس ولا يذوقه هو ولا أهله، قيل بل قدم بكره فنحره لصنمه. وذكروا أن العتيرة الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام ويصب دمها على رأسها. و(العِتر) الصنم الذي يصاب رأسه من دم العتر.
وكانوا يؤكدون على تلطيخ الصنم الذي يعتر له، أو (النصب) بشيء من دم العتيرة. يفعلون ذلك على ما يظهر ليحس الصنم بالدم فوقه. فيتقبله ويرضى به عنهم. ويتقبل عتيرتهم.
وكان بعض أهل الجاهلية إذا طلب احدهم أمرا ندر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، أو أن يقول : إن بلغت ابلي مائة عترت عنها عتيرة، فإذا ظفر به، أو بلغت مائة، فربما ضاقت نفسه عن ذلك، وضن بغنمه، فصاد ظبيا فذبحه، أو يأخذ عددها ظباء، فيذبحها مكان تلك الغنم، وهي (الربيض).
فذلك نوع من أنواع التحايل للتخلص من الوفاء بالنذور. وكان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم، وإنما يأكل لحمها غيرهم. كما كانوا يضرجون البيت بماء البدن، ويضرجون أصنامهم بها. وورد في رواية أخرى ينحرون هديهم عند الأصنام، فإذا نحروا هديا قسموه فيمن حضرهم.
ومما يلاحظ في تقديم الذبائح، إن الناذر يراعي الجنس في اختيار الذبيحة، فإذا كان مقرب القربان ذكرا، اختار قربانه حيوانا ذكرا، وان كان المقرب أنثى، اختيرت الذبيحة أنثى. ولا زال الناس يراعون ذلك حتى اليوم.
لكن لا نعرف شيئا عمن كان يقوم بذبح الضحايا التي تقدم إلى الأصنام، كما أننا لا نستطيع أن نتحدث عن الشروط التي كانوا يشترطونها في الذبيحة ليكون لحمها صالحا للأكل.
والواضح أن الإنسان القديم كان يقيم تجارة مع الآلهة، حيث يقدم لها القرابين القيمة مقابل حصوله على التوفيق وتغيير الأحوال، وقيمته بين قومه بسبب ما يتقرب به للآلهة من ذبائح قيمة. وقد استمر هذا الشعور في نفس البشرية إلى اليوم، فالإنسان الحالي هو أيضا يقيم تجارة مع الله –مع اختلاف بعض الوسائل- حيث يصوم ويصلي ويزكي ويحج…ويهدر من وقته وماله مقابل مرضاة الله. الشيء الذي سينعكس على حياته ايجابيا. لكن بما أن الذبائح هي ثقافة أمم قديمة ولها جذور ضاربة في القدم، ما المغزى من استمرارها إلى اليوم (من منظور منطقي)؟

سميرة الزواك

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close