كل تماشقت:اشكاليةالتنمية ورهان الحفاظ الهوية

ازول فلاون واسغاس ايغودان والشكر موصول لجمعية امازيغ صنهاجة ونتمى لهذا المهرجان الاستمرار والنجاح الدائم.
على سبيل التوطئة
في بداية لا بد من القول بأننا بصدد الحديث عن منطقة تشكل امتدادا للمنطقة شمال افريقيا، لسنيا وثقافيا ولغويا، بل وايضا جولوجيا، وتؤثر سلبا وايجابيا عليها، ولا ادل على ذلك من كون قضايا الهجرة السرية والارهاب والتنمية التي تشغل اليوم بال الدول المغاربية ذا صلة بما يجري حاليا في منطقة الساحل.
كل تماشقت “امازيغ الساحل”: اشكالية التنمية والحفاظ على الهوية
عنونت مداخلتي بكل تماشقت “امازيغ الساحل”: اشكالية التنمية والحفاظ على الهوية، معتبرا ايهما اهم التحديات التي تواجه كل تماشقت اليوم” الطوارق”، ولإعتقادي ايضا بأن مطلب التنمية في محيط يحافظ فيه الانسان على كينونته الهواياتية وشخصيتة الثقافية، يعتبران اساس ” المطالب” الجامعة للحركة الأمازيغية في بلدان المغارب والساحل ولسائر شعوب المنطقة.
عندما اضع كلمة” المطالب” بين قوسين، فإنني كأمازيغي فوق ارضي، الغنية بموارها الطبيعية وثرواتها الباطنية، لا انتظر من الأخر ان يتكرم عليه بشئ ،او ان يمنحي الحق في العيش بكرامة فوق ارضي وبخيراتي، فلدي الامازيغي الكفاءة والقدرة كمؤسسات وكأفراد على تدبير شؤونهم ومواردهم والتخطيط لتحقيق متطلباته ، في ظل محيطه الطبيعي المحافظ له على هويته وكينونته الثقافية ،دون التكرم او تدخل من الأخر.
وحرصا على التخلص من سيطرة الأخر علي، لابد هنا من فهم وتصحيح للمصطلحات وبعض التسميات المتعارف عليها على رغم عدم دقة دلالتها، ولهذا استعملت مصطلح كل تماشقت عوض الطوارق ،فكل تماشقت هو الاسم الذي يطلقه امازيغ بلدان الساحل على انفسهم، وتعني الناطقين بتمازيغيت، ابدال الشين زايا كما في شمال افريقيا او جيما كما في النيجر او هاء كما في الجنوب الجزائر، وهو المسمى المتعارف عليه بين شعب المنطقة الممتدة من حدود موريتانيا غربا الى حقوق تشاد شرقا، وليس اسم الطوارق الذي سماه به الأخر دون مرجعية صحيحة سوى بعض الاستنتاج التي لا تستند الى اساس واضح ومقبول، وكما تنتزع الارض والثروات تنتزع الأسماء في مرحلة لاحقة.
أما موطن كل تماشقت فهو، الصحراء الفاصلة بين بلدان الشمال الافريقي وبلدان افريقيا أو ما يصطلح عليه سياسيا، افريقيا جنوب الصحراء ومقابلها الشمال افريقيا، وعندما يتم تجاوز الصحراء، كفاصل بين الجنوب والشمال واعتبرها مجرد فاصل بين جهتين نافعتين حيويتين، يخيل للمخاطب بأننا هناك بصدد منطقة ما، لا قيمة لها او ارض خلاء لا حياة فيها، او مجرد عبئ علي الجهتين امنيا واقتصاديا وفراغ لا طال منه، وهي صحراء لا مسمى لها، وان اضيف لها مصلح تعريفي تصبح “الصحراء الكبرى”، وبالتالي فهي مناطق خارجة عن اهتمام الدول تنمويا واجتماعيا وبننا تحتية، ومن باب المعلومة، فلتلك المنطقة اسماء يسميها بها اهلها وساكنتها ، فهي في “شمال مالي” حاليا الأزواد، وفي شمال النيجر الأوزاغ وفي الجنوب الجزائر الهقار وفي الجنوب الليبي فزان او وادي الحياة كما سماه الرومان سابقا.
كيف تصور تلك المناطق للعالم اعلاميا
متمردة، مليئة بعصابات تهريب السلاح وتجار الكوكايين ومهربي السلع المهاجرين السريين ومحتجزي الرهائن الغربين والارهابين المتطرفين الكارهين للآخر ومصدر قلق للأمن العالمي ومهدده لاستقراره، الداخل لها مفقود والخارج منها كمن ولد من جديد، مع تغيب كامل لتقاليد وثقافة وأوضاع كل تماشقت.
هذه الأوصاف اصبحت تلتصق بساكنة المنطقة وتصورهم بأوصاف تلاحقهم في كل مكان،وجعلت منها منطقة تعج بالعشرات من الجنود من جنسيات مختلفة بتمويلات مالية ضخمة، تقتل الانسان والحيوان وتنتهك الحقوق وتنهب الخيرات وتعتقل وتهدم، دون تمحيص او تدقيق،جيوش جندت من قبل دولها لتخليص العالم من خطر هؤلاء” المتطرفين”، وفي جهة مقابلة اعتبرها اعداء الحضارة القادمين من بيداء بعيدة ارض المعركة “لجهاد” الكفار وهزمهم واقامة دولة الحق حسب ايديولوجيتهم .
النتيجة المباشرة لهذه الخلاصات الخاطئة والسياسات المتبعة، تحولت المنطقة إلى بؤرة فاقدة للاستقرار وساحة لتلاقي الخارجين عن القانون والمرتحلين من أفاق عدة ، وهي نظرة تستفيد منها دول المنطقة لاستجداء تعاطف العالم وتبرير سياستها اللانسانية والقمعية ضد شعب كل تماشقت، ويتم صب الملايير من اليورهات في صناديق دول فاشلة تحتل السلالم الاخيرة في تقارير الشفافية وينخرها الفساد المالي والسياسي وتتحكم فيها لوبيات مصالحها تخدم اجندات الآخر.

تتكالب على شعب كل تماشقت ” الطوارق ” خمس دول أفريقية ،مالي وبوركينا فاسو والنيجر والجزائر وليبيا وتنهج سياسات مماثلة اتجاه متطلباتهم في مختلف المجالات ،باختلاف أساليبها ، وتنسيق فيما بينها امنيا واقتصاديا بحكم ترابطها على مستوى الحدود .
ورغم التشابه والترابط بين مطالب كل تماشقت في البلدان الافريقية الخمسة، إلا أن مسار الصراع المطلبي والحقوقي ومآلاته وطبيعته يختلف من بلد لآخر.
في أزواد ” شمال مالي”
يمثل كل تماشقت السكان الأصليين والأغلبية الساحقة لسكان أزواد “” شمال مالي”،إبان الخروج الفرنسي من المنطقة سنة1961 ، لكن هذه الميزة الديمغرافية تغيرت نتيجة سياسات حكومات ما بعد ما يسمى الاستقلال التي انتهجت سياسات لتغيير ملامح أزواد وتشويه خصوصياته الثقافية والإنسانية والاجتماعية.
فقد أدرك المستعمر أن الخصوصيات والمعطيات الثقافية المحلية، تخدم بالأساس مطالب كل تماشقت السياسية ،المتمثلة في تقرير المصير ، بضرورة فك ارتباطهم بالجنوب والذي فرضه المستعمر الفرنسي وفي هذا جاءت” ثورة 1962″وذلك لغياب معايير التجانس والتلاقي والتي تضمن استمرار الترابط وتطوره ضمن دولة وطنية موحدة بإثنيات وخصوصيات ثقافية وإثنية متنوعة، فبينما يتميز ازواد بوحدة ثقافية ولغوية واثنية واحدة، يغلب على الجنوب، الطابع الاثني المتنوع الثقافات واللسنيات والامتدادات والمتنافر.
ويهدف فرض هذا الواقع الغير سليم والغير طبيعي والظالم، من قبل المستعمر الفرنسي والسعي لإدامته، الى خدمة المصالح الاقتصادية للمستعمر والاستمرار في نهب ثرواتها، مما تسبب في ثورة شعب كل تماشقت على تلك السياسة، لكن تلك الثورات جوبهت بقمع الانظمة المتلاحقة بدعم من فرنسا ،من مودي بوكيتا الى موسى تراوي وتوماني توري فكيتا،قمع خلف احداث مؤلمة من قبيل إبادات تجويع تهجير تهميش ولا زال المسلسل مستمر الى اليوم.
ورغم الاتفاقات التي تم توقيعها بين شعب كل تماشقت سكان أزواد وحكومات مالي المتلاحقة ، بضغوط دولية ومحلية ،لم يتغير الواقع في المنطقة، فلا مالي ومن يدعمها على استعداد لتطبيق ما وقعوا عليه أمام المجتمع الدولي ،ولا شعب كل تماشقت مقتنعين بوعود واتفاقات أرغموا عليها” اتفاقات القهر”. ويظل مطلب تقرير المصير الحافظ على الكرامة وعلى الهوية والخصوصيات الثقافية والحياة ضمن مجال حضاري يرتبط فيه الانسان بأرضه السبيل الوحيد لوقف هذه التراجيدية.
ازواغ ” شمال النيجر”
أزواغ وازواد،أشقاء بل جسد واحد قسمه ظلم المستعمر وأطماعه الاقتصادية إلى جزئين بروح وكينونة حضارية واحدة تأبى أن تفترق، ومن أجل ذلك تقاوم أجزاء تلك الجسد معا وتئن لذات الأوجاع، فهي جسد واحد،يعاني نفس الألام ونفس المشاكل والصعوبات وعاش نفس المسار النضالي، ويسعى لنفس الهدف لاعادة دمج ذاته التي فرقت بالرغم عنه.
بعد مسار نضالي طويل،وكما في ازواد، فرض على ازواغ اتفاقيات القهر، بمباركة ووعود دولية بالتنمية والحفاظ على الخصوصيات وتنميتها، رضح شعب كل تماشقت في ازواغ للقهر، وانتظروا تنمية واهتمام محلي وإقليمي وعالمي موعود وموثق في اتفاقيات القهر، لكن بعد سنوات من توقيع الاتفاقيات وتخلي شعب كل تماشقت في ازواغ عن حلم الاستقلال وتقرير المصير لصالح الوحدة لم يف الطرف الثاني ” حكومة النيجر” ولا الدول المانحة بوعودها بضخ اموال للاستثمار في البنيات التحتية وتوفير أبسط متطلبات الكرامة وادنى متطلبات الحياة لكل تماشغت.
وتسجل في منطقة ازواغ ،استمرار الدولة في تغيير المعطيات الديمغرافية للمنطقة ومحو الهوية والخصوصيات الثقافية وتهميشها، وعدم الوفاء بما نصت عليه الاتفاقيات الموقعة بين ممثلي حركات ازواغ والحكومة النيجرية.
في ذات الوقت يستمر المستعمر السابق،عبر شركاته في نهب ثروات الطبيعية ونشر الامراض نتيجة سياسات الاستغلال التي لا تأخذ بعين الاعتبار الحرص على سلامة الانسان وبئيته والمراعي الطبيعية وموارد المياه الباطنية.
فمثلا استغلال شركة اريفا ليورانيوم شمال النيجر، يجعل من فرنسا من أوائل دول العالم في مجال توليد الطاقة الكهربائية، ويضخ في ميزانية الحكومة النيجرية ملايير اليورهات، ولا يعود على مجتمع كل تماشقت إلا بالأمراض، حيث تسجل منطقة اكادز اعلى اعداد في الاصابة بالسرطان في المنطقة.
كل تماشقت فزان ” الجنوب الليبي”
في فزان بالجنوب الغربي لليبيا يمثل كل تماشقت مكونا أصليا وأساسيا ورئيسيا ضمن سكان المنطقة ، ويشكل الارض والانسان امتدادا ثقافيا وانسانيا وحضاريا لشعب كل تماشقت في الصحراء الكبرى، امتداد لا يمكن فصل بعضه عن بعض.
ولعب كل تماشقت في فزان دورا رئيسيا في استقطاب واحتضان المجموعات البشرية التي استوطنت المنطقة في مراحل تاريخية متأخرة، كما لا يغيب دورهم في تماسك وتعايش مختلف مكونات المنطقة في سلام واستقرار وانسجام عبر التاريخ.
لكن هذا الانسجام مسه نوع من الخلل خلال سنوات حكم القذافي، الذي انتهج سياسة التفرقة بين المكونات الليبية للتحكم فيها وبسط نفوذه عليها وكسر شوكتها.
وكان لهذه السياسية دور كبير في ما تعيشه ليبيا بعد القذافي من صراعات بين المجموعات والمليشيات، على سبيل الانتقام والقهر وفرض السيطرة.
من خلال ذلك ،ارادت الجهات الليبية، تحميل كل تماشقت ،وحدهم دون سواهم وزر سنوات حكم القذافي، والانتقام منهم وحرمانهم من حقوقهم في الارض والعيش الكريم، ومنعهم من المساهمة في اعادة اللحمة الى المكونات الليبية وبناء دولة موحدة تحترم كافة مكوناتها المتنوعة.
وفي هذا الاطار تعيش آلاف الاسر من كل تماشقت في ليبيا بدون اوراق ثبوتية وهم عرضة للطرد من أرضهم في اي لحظة.
كل تماشقت في الهكار
تشكل ولايات تمنغست واليزي وادرار في الجنوب الجزائري، ثلثي الجزائر الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، واكبر مخزون للثروات الطبيعية فيها، وفضاءا حضاريا وكنزا تاريخيا ،اعتبرته اليونسكو من اكبر المتاحف التاريخية في الهواء الطلق.
وساهم كل تماشقت في ثورة تحرير الجزائر من نير الاستعمار الفرنسي، الاخير الذي حول منطقتهم الى حقل لتجاربه النووية، لا زالت أثارها بادية على خريطة المنطقة وعلى الانسان والحيوان.
رغم كل هذه المساهمات والحضور الفعلي لكل تماشقت في تاريخ الجزائر حديثه وقديمه، لم تنهج حكومات جزائر ما بعد الاستقلال سياسات حسنة اتجاه كل تماشقت ، لا في دول الجوار عامة ولا في الهكار خاصة، اذ استمر قهر الانسان التماشقي وغابت التنمية عن منطقته ونهبت ثرواته الطبيعية وغيب في الاستراتيجيات الحكومية ومنع من من الحفاظ على إمتدادته العرقية والانسانية والثقافية في الجوار، وفرض على منطقته الهكار الاحكام العسكرية، واستعملت كقاعدة انطلاق للمساهمة في قمع حراكات الامتدادات في مالي والنيجر وليبيا والتأثير فيها بما يخدم مصالح المتحكمين في امور الجزائر منذ الاستقلال الى اليوم.
خلاصة
نخلص من خلال ما سبق اعلاه، ان مشكل كل تماشقت في الساحل “الصحراء الكبرى” مترابطة وتشكل وحدة واحدة، لا يمكن التخلي عن جزء منه .
وأن نضال كل تماشقت هو صراع من اجل هوية” تموست ” الانسان والارض وتقرير مصيرها بالحفاظ على مكوناتها الحضارية والانسانية والاستفادة من ثرواتها الطبيعية واستخدامها من أجل تنمية الفضاء وضمان العيش الكريم للإنسان.

علي الانصاري

مداخلة في لقاء امازيغ صنهاجة المنظم بمناسبة الاحتفال بالسنة الامازيغية

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.