“مَاهي وْ لاَ هي”:  تأملات حول الطبقة المتوسطة بالصحراء.

 

هل هناك طبقة متوسطة في المجتمع الصحراوي ؟؟ ، سؤال يؤرقني كثيراً ، حين أفكر فيه . فعلى المستوى النظري ، تكون الإجابة بسيطة ، نعم هناك . فبالملاحظة العابرة يمكن القول انه طالما أن هناك طبقة ثرية معلومة ، و طالما أن هناك طبقة فقيرة ملموسة ، فحتما ستكون هناك طبقة متوسطة تخطئها الملاحظة . في حدود هذا الطرح يبدو السؤال الذي طرحناه غبياً . لكن بتحليل متروىِ يبرز وجه السؤال المقلق ، حيث يجبرنا ذاك السؤال على استحضار مترادفات أخرى يحملها السؤال في طياته و يفرضها مدخلا للإجابة و شيفرة سرية بدونها لا يمكن تأطير السؤال تمهيدا لسبل الإجابة . من أهمها أن نعرف ماهي الطبقة المتوسطة و ماهي مميزاتها ؟؟ لنعرف هل توجد في المجتمع أم لا توجد .

تعود أصول المصطلح (الطبقة المتوسطة) إلى الكاتب الايرلندي جيمس برادشو سنة 1775 الذي عرفها بكونها تتوسط موقعاً بين طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين في أوروبا ، غير أن التعريف الأكثر شهرة لهذه الطبقة هو الذي أورده عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر حين عرف الطبقة الوسطى بكونها الطبقة التي تجلس في وسط الهرم الاجتماعي ، وهي تقع بين الطبقة العاملة والطبقة العليا الثرية.

غير أنه لا يمكننا المضي بحثا عن الإجابة دون تبسيط لهذه التعاريف يفرضه واقع الحال ، خصوصا حين نأخذ في الحسبان أن المجتمع الذي نتحدث عنه ، المجتمع الصحراوي ،هو مجتمع حديث الولادة و قيد التشكل . و لا نجد تبسيطا أبسط من ذاك الذي أعطاه الكاتب جون باركر محرر مجلة ذي ايكونومست اللندنية في عددها الصادر في13 فبراير 2009 والذي استعرض فيه تطور الطبقة الوسطى في القرن الحادي والعشرين تحت عنوان ((برجزة البرجوازية) حين يقول : “إن ما يميز الطبقة الوسطى في العالم اليوم هو حصولها على دخل معقول متخطية فيه ظاهرة ما كان يسمى: من اليد الى الفم أو بالأحرى هي الطبقة التي بمقدورها ادخار قرابة (ثلث) مدخولاتها بعد تسديدها لمتطلبات العيش كافة وبشكل لائق من مأكل وملبس ومأوى وغيرها”. و بما أنني لست خبيرا اقتصاديا ، و لست أيضا عالم اجتماع ، فإنني أقر أن هذا التعريف بدا لي واضحا و يسير الفهم . خصوصا أن مسألة المنزلة بين المنزلتين التي تفرضها لفظة متوسطة أو وسطى ، تُبقي الأمر ملتبسا . لذلك حين يقول جون باركر بأن الطبقة المتوسطة هي تلك التي تتوفر على دخل معقول ، فهذا يجلي نصف الالتباس أما النصف الآخر فلا يجليه غير الاستدراك الذي أورده في التعريف و الذي اشترط فيه ادخار ثلث الدخل بعد تسديد متطلبات العيش كافة . بلغة أخرى فالطبقة المتوسطة هي طبقة تشمل أفرادا يتوفرون على دخل يستطيعون ادخار ثلثه . فهل هذه الطبقة موجودة في مجتمعنا الصحراوي ؟؟

يؤسفني القول بأن استنباط الإجابة من خلال إسقاط التعريف على بيئتنا الصحراوية يظل محبطاً لأن لفظة مفصلية في التعريف السالف الذكر تجعل الأمر فضفاضاُ ، و اقصد هنا ( متطلبات العيش ) التي يتعين (حسب التعريف) سدادها كافة قبل الحديث عن الادخار . فمتطلباتنا نحن الصحراويين صارت زئبقية التجلي ، حين ننظر إلى حجم الإنفاق الذي صار الصحرويون يمارسونه ابتداءً من العشرية الأولى لهذه الألفية ، بعد أن شهد المجتمع بداية تشكل جديدة مع حملة التوظيف بداية هذه الألفية و التي أنعشت الواقع الاقتصادي و الاجتماعي للصحراويين . هذا الإنفاق الذي غذته الطبيعة البدوية للمجتمع و أطرته المرجعية القبلية لتركيبات المجتمع نفسه .

فواقع الحال يفرض علينا الاعتراف بأن الطبقة المتوسطة وئدت من طرف المجتمع الذي ولدت فيه ، فتوفرها على دخل ميزها سلفا عن الطبقة الفقيرة ، غير أن استحالة الادخار لم يبلغها الطبقة المتوسطة المنشودة . حيث فشلت في خلق رأسمال يجعلها شريكاً في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية للمجتمع ، بل على العكس تماما لم تستطع هذه الفئة المتعلمة في الغالب، من رفع المجتمع إليها قصد التأثير في بعض آلياته و نظمه ، فقد جرها المجتمع نحو طبيعته البدوية الغير متعلمة ، و الأدهى أنه استطاع إلباسها ثوبه القبلي ، ليبطل مفعول العلم و التعلم العالق بها حديثا قبل أن يتقادم و يتفاقم .

فمتطلبات الحياة ، التي هي فيصل الانتقال من طبقة إلى أخرى ، حسب جون باركر ، تعود ضمنيا على أسرة أو عائلة نواة أو نووية بالمفهوم الاقتصادي و الاجتماعي الحديث ، مما يخلق لنا خللا في استدراك النتائج حين يكون جسم التجريب هو المجتمع الصحراوي . ففي هذا المجتمع السعيد لا وجود للأسرة النواة ، التي تستكفي بالأب و الأم و الأبناء ، حسب التعريف الحديث للأسرة ، بل تنعدم حتى شبيهاتها ، و ما هو كائن على ارض الواقع هو الأسرة القبيلة ، و من هذه الحقيقة المُرة يستحيل تحقيق شرط تسديد النفقات ، لأنها بكل بساطة غير معروفة و مستعصية على الجرد فبالأحرى الحصر . و كنتيجة لا أقول منطقية و لكن متوقعة يستحيل الادخار . و في النهاية يستحيل التصنيف ، فلا هي طبقة فقيرة و لا هي طبقة متوسطة . أو كما نقول نحن الصحراويين باللهجة الحسانية (مَاهي وْ لاَ هي ) .

 

                                                                                 بقلم الـكاتب/ عيسى الدبا.

                                                                                              العيون.

 

 

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.