السرد والصحراء

السرد الصحراوي في قِدَمِهِ تركز في الأثر الشعبي والمحلي والرواية الشفاهية والحكي الذي يتابع أساطير الأولين والآخِرين في زمنية الصحراء وما فيها من شخصيات.

في الصحراء صدى لا يعرفه إلا الصحراوي الذي يمتثل إلى خيال المكان

سيُعقد في تونس بعد منتصف شهر أبريل المقبل مؤتمر أدبي عربي يحمل عنوان “السرد والصحراء” في محافظة مدنين. والعنوان ينطوي على إثارة سردية نوعية تتحمل الكثير من الجدل والآراء في موضوعة الصحراء وما تركته من أثر في نفوس الأدباء والشعراء وكتّاب الرواية قديما وحديثا، وإذا كان القديم شعريا في الأغلب الأعم، حيث أن مجالس العرب لا تخلو من الشعر كديوان مترامي الأطراف لهم، فإن الحديث منه سردي على وجه التقريب بعدما صارت الصحراء طاردة للحياة، وصارت المدينة هي المنتجع الجامع، بسبب التطور الحضاري الكبير واتساع رقعة الحياة المعاصرة بكل ما فيها من تكنولوجيا وعمران وحداثة وتقارب.

ربما دول الصحراء هي الأقرب إلى هذه الثيمة وأسطوريتها الشخصية ومزاياها التقليدية وما تركته من أثر عام على الشخصية البدوية في صحرائها الشاسعة، غير أنّ العالَم مكتظ بالصحارى والرمال وبِسمات مشتركة معروفة، لكن الأثر الأدبي المتبقي في الصحراء قليل إلى حد كبير، عدا الصحراء العربية التي تركت لنا فيضا شعريا كبيرا لا يزال منبرا واسعا للدراسات والتقصي لما فيه من خيال فسيح وساحر، جعل من الشاعر العربي القديم يتقدم على السارد والحكواتي بنبرته العمودية التي جعلت من الصحراء أكثر مساحة للتأمل والإلهام والنبوغ الشعري، وهذا من المعروف الذي لا يزال يُدرّس ويُنقّب في أطروحات البحوث الأكاديمية في الجامعات العربية والأجنبية أيضا.

السرد الصحراوي في قِدَمِهِ تركز في الأثر الشعبي والمحلي والرواية الشفاهية والحكي الذي يتابع أساطير الأولين والآخِرين في زمنية الصحراء وما فيها من شخصيات، تعدّت حضورها اليومي العادي وصولا إلى أسطرتها في السير الشعبية والحكائية، وتكوين حلقات بطولية عنها لاسيما في الحروب مع الأعداء، أو في مواقفها اليومية الحكيمة التي تغذّي اليومي بالفلسفة العميقة ذات الحكمة المباشرة أو المبطّنة في اختلاط كبير جاءت به المخطوطات السِيرية وأسماء منسوبة إليها، تتقاطع مع كل زمن يأتي ويمضي لتتبدل ويُضاف إليها ويُحذف منها، غير أنّ الثابت في كل هذا الاختلاط هو نزوع البدوي الصحراوي إلى الشجاعة والحكمة ومقارعة أعداء القبيلة ونصرة الدين في نهاية المطاف، لنرى في التنقيب والفحص أن السرد الشفاهي المؤثر هو الذي استحوذ على العامة وحفظوه ودوّنوه مع مراحل متأخرة في الحياة البدوية.

لذلك فإن موضوعا كهذا، وعندما يثيره مؤتمر أدبي، سيكون بالتأكيد مستندا على دعامات أساسية في الحفر المعرفي والأركيولوجي في تتبع المعطى القديم من فضاءاته القديمة الشاسعة جدا، في حين يكون المعطى الحديث جاهزا في السرديات الصحراوية على قلتها، وسيتقدم السرد الصحراوي العربي من ليبيا باسم إبراهيم الكوني ابن الطوارق ووريث الصحراء التي توغل في أحشائها كثيرا ليكون رائد سردها والحاضر في رمالها وحرارتها، كحرارة رواياته الجميلة وقصصه القصيرة ومؤلفاته التاريخية في “ثورات الصحراء الكبرى” و”المجوس”  و”الدمية” و”واو الصغرى” و”التبر” و”ناقة الله” وغيرها.

لكننا نجد في الآخر الغربي – الفرنسي لوكليزيو الحائز على جائزة نوبل في روايته الساحرة “الصحراء” التي استوحى أحداثها من صحراء الشمال الأفريقي وقبائل الطوارق الأمازيغية (الرجال الزرق) ليقدم ملحمة سردية بارعة عن ثقافة الصحراء وطقوسها وفرداتها. ففي الصحراء صدى لا يعرفه إلا الصحراوي الذي يمتثل إلى خيال المكان وشاعريته الفذة، تلك الشاعرية في الأمكنة التي احتفى بها غاستون باشلار في “جماليات المكان” عندما فتح مدرسة نقدية عامرة بالأمكنة والهوامش وشواغلها السرية التي نسميها بـ”المهملة”.

مؤتمر كهذا يذهب إلى الرمال والتنقيب فيها سرديا أمر جدير بالاحتفاء به وتأكد صلته بالإبداع حينما يختار مكانا فسيحا فيه الكثير من الغوامض والأسرار السردية.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك