المغرب …… من الريادة إلى القيادة

 

إبراهيم الأنصاري

لكل دولة في عالم اليوم مجموعة من المعطيات والأطر التي تنظم سلوكها السياسي ، وما بين الاستقلالية الكاملة ولتبعية المطلقة ثمة مراحل تتباين صعودا وهبوطا أصالة أو تبعية .

المشهد يبرز لنا مجموعة من الصور للفعل السياسي للدول وهنا يمكن تقسيم  إلى عدة أنماط تميز المسار السياسي لدولة ما ومن تلك الأنماط :

نمط الدولة التابعة :

وهذا النوع من الفعل السياسي أو التبعية السياسية يجعل من الدولة مجرد رقم تابع لدولة ما تبعية مطلقة لا يحتاج معها إلى معرفة موقفها أو توجهها فيكفي معرفة دور المتبوع فقط لاستنتاج دور التابع ، وهذه الحالة المتماهية غالبا ما يكون سببها اقتصادي أو عسكري وهذا النمط قليل الوجود بين الدول وإنما يظهر بجلاء بين الحركات الممولة وما شابهها ، والقلة من الدول التي ارتضت هذا النوع من الكينونة تعيش على الهامش وتبقى دائما رهينة فعل ورد الفعل لغيرها

 

نمط دولة الأزمة :

وهذا النوع من الدول  لا تكاد تجد له ذكر أو وجود إلى مع تبنيه أو اختلاقه لأزمات مفتعلة أو حقيقة ولكن ليست معنية بها بأي درجة وهذا النمط من الدول يحترف التصعيد عند أي قضية مهما كانت سطحية وتافهة وربما اضطر إلى أيجاد حدث أو ابتكاره ليقوم باستثماره واستغلاله للحصول على مكاسب اقتصادية تارة وتارة ديماغوجية ، وهذه الدول عادة لا تشعر المحيط بالارتياح الواثق الذي على اساسه يمكن البناء المستقر

نمط دولة التوازن :

نمط التوازن هو أكثر أمناط الدولة طلبا وصعوبة في آن واحد ، لأن الوصول إلى الاتزان سياسيا يحتاج إلى الكثير من العوامل الثابتة العميقة في عالم متقلب متغير الأقطاب والمصالح والأحلاف والتوازنات

ولا يغيب عن مطلع أن الإطار المكافيلي الذي يحكم غالبا الفعل السياسي من حيث المصلحة المتقلبة وجودا وعدما يجعل الوصول إلى التوازن والثبات من الصعوبة بمكان فضلا عن البقاء على حالة كتلك مدة زمنية مهما قصرت .

والوصول إلى هذا النمط يحتاج إلى الاعتماد على حزمة من الاجراءات والعلاقات تجمع بين الثبات في كلياتها والمرونة في الجزئيات بحيث يمكن  المحافظة على البناء العام مع امكانية التكيف مع المتغيرات بإجراء بعض التعديلات في التفاصيل والسلوك .

نمط دولة القيادة :

وصول دولة ما إلى كونها قائدة في عالم اليوم ليس مرهونا بالقوة العسكرية أو الاقتصادية أو بهما معا كما يؤكد على ذلك كثير من أهل السياسة مع التأكيد على محورية العنصرين العسكري والاقتصادي في منح دولة ما صفة القيادة ، لكن مع تخلف هذان العنصران جزئيا يمكن لدولة ما أن تكون قائدة بفضل مراعاة جملة من قواعد اللعبة السياسة وحسن استثمار بعض أدوات شديدة التأثير مثل ( الموقع ، العلاقات ، التوقيت ، القوى الناعمة ) هذا الرباعي يمكن أن يجعل من دولة ما تتصف بالقيادة حيث أن موقعها يجعل منها نقطة بالغة الحساسية لوقوع أن توتر أو قلقل ما يجعل الشركاء وأصحاب العلاقة والمصلحة يتعاملون معها من منطلق ثقلها وأهميتها ، وهي من جانبها يلزمها أن تستغل بذكاء توقيت اتخاذ قرار ما أو الدخول فيما يشبه الابتزاز السياسي أو الارتباط أو فك الارتباط مع جهة أو عدة جهات ، وفي ذات الوقت تستغل قوتها الناعمة في حشد تكتل من الحلفاء المنتفعين وذلك بترسيخ حزمة من الشراكات الاقتصادية والثقافية ذات الطابع الرعوي الذي يجعل منها حجر الزاوية والوعاء الأصلح والأقدر على احتواء وإدارة تلك الشراكات .

ما الذي نريد أن نصل إليه من كل ما تقدم ؟

جوابا على هذا السؤال أقول :

أن المغرب اليوم ومن خلال فعل سياسي تراكمي بني بناء استراتيجيا  يأخذ التغيير الحتمي في السياسة العالمية بعين الاعتبار والتفاعل مع تلك الحتمية إيجابيا بعيدا عن الرضوخ لردات فعل مؤقتة أو الدخول في مغامرات أو مقامرات سياسية لغرض الحصول على مكاسب مؤقتة ، أقول استطاع أن يجعل منه دولة محورية حازت الريادة في مجالات شتى فهي برغم من قلة الموارد مقارنة بغيرها من دول الجوار إلى أن الإدارة السياسية  والإرادة المجتمعية جعلت منها بيئة جاذبة حاضنة لأكبر الاستثمارات كما أن حسن التعامل مع الأزمات المحيطة من إرهاب وهجرة غير شرعية وتجارة المخدرات وذلك بالجمع بين المقاربة الأمنية والتوعية في جوانبها المختلفة جعل من المغرب محل الثقة الدولية ومع ذلك لا ينبغي الركون إلى ذلك دون الاستمرار في الاستجابة لمطالب المواطن اليومية والعمل بوتيرة أسرع في تقوم واصلاح مفاصل الدولة وأجهزتها .

ثم ماذا ؟

وكخطوة متممة لحالة الريادة المغربية في المنطقة فلا بد من التفكير في أن يكون مغرب الغد هو القائد لمنطقته لأن القيادة هي التطور المنطقي لحالة الريادة التي يعيشها مغرب اليوم ، والوصول إلى نمط الدولة القائدة يستلزم مقومات مغرب اليوم تتوفر فيه كما يتطلب عملا مغاربة اليوم قادرون عليه .

وأخيرا

السياسة فن الممكن لكن المشكلة هو وضع حدود للإمكان

 

للتواصل i_alansary@hotmail.com

 

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك