جنوب الجزائر: ثورةٌ مؤجّلة  

عن واقع تمراست: ممرضة"إنّ الحل الوحيد أمام الناس هو أن لا يمرضوا"

في الجنوب الجزائري، بعيداً عن العاصمة ومدن الساحل الرئيسية، تشارك مدينة تمنراست، كبرى ولايات الجزائر من حيث المساحة، منذ شهرفبراير الماضي في الثورة الشعبية ضدّ النظام الحاكم في البلاد، في انتظار مستقبلٍ أفضل من الواقع المأساوي الذي تعيشه المدينة البعيدة عن لبّ الحراك في عاصمة البلاد.

يعيش الناس في هذه المدينة حياةً يطغى عليها اللون البنيّ الداكن، خصوصاً في هذا الفصل العاصف من السنة، حيث تنشط الرياح مُحمّلةً برمالٍ تطغى بصفرتها على ضوء النهار، لتبدو ألوان المدينة قريبةً من لون الشاي الذي تشربه مجموعةٌ من رجال الطوارق تحلّقوا حول هباب الفحم الأسود تحت سقفٍ من القش في كوخٍ صغير. يهبط الليل على تمنراست، وينبعث ضوءٌ من الهاتف المحمول لأحد الجالسين من وقتٍ لآخر. التنهّدات تملأ المكان، فيكسر الصمت أحد الحاضرين دون أن يكون لدى أحدٍ مزاجٌ للحديث، يقول “إنّ من يتعرض للدغة أفعى يصبح يخاف من الحبل”.

يفهم الحاضرون أنّ الأفعى في حديثه هي النظام الجزائري، والحبل هم الذين تسلّموا السلطة اليوم. وينتقل الحديث إلى شخصٍ آخر ليحكي أنه وآخرين كان قد حُكم عليهم بالسجن لمدّةٍ تصل إلى عام بسبب التظاهر السلمي ضدّ البطالة أو مشاريع الغاز الصخري الذي أرادت السلطات استغلاله. كانت فحوى جرم أحدهم بحسب الادّعاء المشاركة في تجمّعات غير مسلحة، إهانة الرئيس، والإساءة للمؤسسات العامة عبر موقع فيسبوك. كان ذلك في العام 2016 الذي يبدو زمناً بعيداً بالمقارنة مع ما تعيشه الجزائر اليوم، فمنذ الثاني والعشرين من فبراير، يوم اندلاع التظاهرات ضدّ ولايةٍ خامسة للرئيس بوتفليقة تغير كل شيء، ولم يتردّد هؤلاء الرجال في العودة إلى حجز أماكنهم في الشوارع، أسوةً ببقية الجزائريين، مندّدين بالنظام المافيوي الذي يدير دفّته كبار القادة في البلاد.

وفي كلّ يوم جمعة يجتمع مئات الأشخاص في المدينة لترديد الشعارات التي يتردد صداها على طول البلاد وعرضها. في الخامس من أبريل كانوا بحدود 500 شخصٍ تجمّعوا لقرابة 3 ساعات، وصرخوا “فليرحلوا جميعاً”، في صيحةٍ موجّهة بالدرجة الأولى لعبدالقادر بن صالح، القائم بأعمال الرئاسة اليوم. يجتمع في التظاهرات رجالٌ من الطوارق بلباسهم التقليدي، ومن القبائل والعرب والشوايا (بربر إقليم جبال الأوراس) حول علمٍ أخضر وأحمر برفقة الراية الأمازيغية الملونة، رغم معدّل الحرارة الذي وصل إلى 30 درجة مئوية. يقول شابٌّ يدعى أحمد إنّ الجزائر “واحدة وموحّدة، تعيش كلّ بقعةٍ في البلاد الشيء نفسه”.

على مدار شهرين تشهد عاصمة إقليم لهقار الواقعة على بعد 2052 كلم جنوبي العاصمة أيام الجمعة على وقع تظاهراتٍ سلمية تكسر من سكينتها، ثمّ تعود هاجعةً على مدارّ أيام الأسبوع الباقية. يقول رجلٌ من القبائل يعيش في تمنراست منذ ثلاثين عاماً “الهدوء والمساحة والسلاح… هذا ما ننعم به هنا في الجنوب، بخلاف مدن الشمال الصاخبة. هنا إفريقيا السوداء، بالقرب من النيجر ومالي، وبعيداً عن الساحل والغرب (أوروبا)، وبمقدورنا أن نشخص بأبصارنا متطلعين إلى الجنوب الكبير”.

عند سؤال الطوارق كيف بإمكانهم أن يشعروا بأنفسهم جزائريين وهو يبعدون أكثر من ألفي كيلومترٍ عن مركز البريد الرئيسي في العاصمة الجزائر يجيبون بالطريقة نفسها، مستخدمين حكايةً يتناقلونها رغم عدم صحتها، تقول إنه في العام 1961، عندما اقترح شارل ديغول على زعميهم حاج باي أخاموك أن يكون ملكاً على مملكةٍ تعترف بها فرنسا على كامل ولاية لهقار أبى ذلك، وقال “نحن جزائريون وسنبقى كذلك دائماً”.

مشاكل جوهرية تعيشها تمنراست
رغم اتّساع مساحة تمنراست، هي تعاني من صعوباتٍ جوهرية، أبرزها البعد عن العاصمة والطبيعة الصحراوية لمناخها، إذ تقع في قلب منطقة الصحراء الكبرى،مرتفعةً 1400 متراً عن سطح البحر، ما يجعل سكانها معزولين ومُجبرين على استيراد جميع المواد الغذائية بأسعار مرتفعة، حيث يبلغ سعر كيلو البطاطا 150 ديناراً (1.10 يورو)، رغم أن سعره في العاصمة لا يتجاوز 50 ديناراً. أما باقة الكزبرة فسعرها 70 ديناراً مقابل 10 دنانيرٍ في العاصمة، ومن المتوقع أن يرتفع سعرها إلى 150 ديناراً مع بدء شهر رمضان أوائل شهر مايو القادم، بحسب المواطنين المحليين.

وأقرب المدن الشمالية إلى تمنراست هي مدينة عين صالح التي تبعد 660 كيلومتراً، أي قرابة 10 ساعات بواسطة السيارة، عبر طريقٍ وعرٍ وقاسٍ يعتبره السائقون كابوساً، في حين تبلغ تكلفة رحلة الذهاب والإياب إلى العاصمة بواسطة الطيران 30 ألف دينار (223 يورو)، وهو مبلغٌ كبيرٌ على السكان، حيث أنّ الحدّ الأدنى لأجور الموظفين 18 ألف دينار فقط.

بمقدور المرء في هذه المدينة أن يرى التفاوت بين شمال الجزائر وجنوبه من حيث تفاوت الخدمات، الذي يعزوه البعض للإهمال السياسي أو الإرادة السياسية بإبقاء الأمور على حالها، رغم افتقار المدينة للبنى التحتية، لا سيما المتعلقة بالقطاع الطبي، حيث يندر وجود متخصصين في طب العيون، كما أنّ مستشفى “مصباح بغداد” الوحيد في حالٍ يُرثى لها. ورغم أنّ السلطات بدأت بتشييد مبنىً آخر للمستشفى فإنّ العمل فيه مُتأخّرٌ منذ سنوات. تلخّص إحدى الممرضات الواقع الصحي لصحيفة “لوموند” بالقول “إنّ الحل الوحيد أمام الناس هو أن لا يمرضوا”.

معدلات البطالة هي الأخرى مرتفعة، والآفاق تبدو معقدة. المدينة ما تزال تتوسع نحو سفح جبل أدريان. بات عدد سكان المدينة اليوم يقرب من 180 ألف نسمة، بعد أن كانوا 120 ألفاً عام 2005، في حين لم يكن عددهم يتجاوز 4 آلاف نسمة قبل قرابة أربعين عاماً. المدينة ببناها التحتية الحالية لم تكن على استعداد لمواكبة هذا الانفجار السكاني، ولا تتناسب مع عدد القاطنين فيها، وبإمكاننا رؤية المشهد اليومي لطوابير الناس ومعاركهم التي لا تنتهي عند محطات الوقود الثلاث الوحيدة في المدينة.

إضافةً إلى ذلك، تبرز مشكلة السنغاليّين والماليّين والنيجيريّين الجالسين على ضفاف وادي السرسوف، بانتظار أن يُستدعوا للعمل في أيّ مهمّةٍ تتوفر لهم. مجموعاتٌ كبيرة من الصبية الصغار الذين لا يمتلكون أوراقاً رسمية أو يتنقّلون بأوراق بعضها مزوّر وبعضها نظامي في جميع أنحاء المدينة، يعملون في ورشات البناء والمطاعم والأسواق. قوة عاملة كبيرة مؤهلة ورخيصة من المهاجرين تفاقم من مشكلة البطالة. مشكلة المهاجرين يرى بعض السكان أنّ سببها فرنسا التي دفعت السطات الجزائرية للاحتفاظ بهم في المنطقة، مما جعل الطوارق البربر أقليّةً في المنطقة، ترافقهم الخشية من الاضمحلال وذوبان الهوية في المستقبل.

محاربة تنظيم القاعدة
يُضاف إلى المشاكل المتعلقة بالمهاجرين انعدام السياحة في المنطقة، فمنذ العام 2010 يعيش القطاع السياحي في غيبوبةٍ سببها الضريبة القاسية لقتالٍ متواصلٍ ضدّ تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. يقول أحد العاملين في قطاع السياحة، إن “عدد السيّاح الذين قَدِموا للمنطقة بين عامي 2010 و2016 كان صفراً، وارتفع العدد إلى 20 سائحاً خلال العامين الماضيين، وكانوا جميهم من الجزائريين القادمين لقضاء اجازاتهم، غير أنّ أهل الجنوب فخورون بهذه التضحية، فلولا الجنوب والجيش ما كانت لتستقر الجزائر”.

يقول بابا شريفي، وهو دليل سياحي أربعيني معروف في إقليم لهجار، وسبق أن اعتقل لشهور قليلة في العام 2000 بسبب مشاركته في مظاهرات مناوئة للسلطة، إنّه “من أجل الحفاظ على شركته والعاملين فيها، البالغ عددهم 50 شخصاً، لجأ إلى تنويع مجالات العمل بالتّوجه نحو خدمات المطاعم ونقل البضائع والمونة، فلم تعد تشكل السياحة أكثر من 35 بالمئة من حصيلة أعماله، ما يعني أن عماله الذين تدربوا على العمل في القطاع السياحي باتوا مضطرين للعمل في قطاعات أخرى، وهو أمرٌ ينذر باقترابهم من فقدان خبرتهم السياحية بسبب عدم ممارسة المهنة”. ويدعو شريفي الفرنسيين للعودة لرؤية المدينة من جديد وزيارتها، فإن كانت المدينة قد عانت من الإرهاب “فهذا لا يعني أنّ سكانها إرهابيون”.

يقول محمد زنغا، وهو مواطن من المدينة، إنّ الأمن قد عاد لمدينته في هذه الفترة، على الرغم من الاضطرابات التي تعيشها الجزائر، بيد أنّ جمهوريّةً جديدة يجب أن تولد في هذا البلد، وعليها أن تطوّر الجنوب الأقصى حيث تقع تمنراست، وإلا فإنّ “أيّ ثورة جديدة قد يشهدها الجزائر ستكون قادمة من الجنوب”، مُحذّراً من أن يكون أهل الجنوب “ضحية النظام الجديد كما كانوا ضحية النظام القديم”.

تقرير  صحيفة “لوموند” الفرنسية، وترجمته “المدن” إلى العربية

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك