الجزائر :الحراك في حاجة ماسة إلى إفراز من يُعبر عن تطلعاته ومطالبه

هل يَهتدي الحراك الجزائري إلى رجالات مرحلته الانتقالية؟

تناقلت منصات التواصل الاجتماعي على مواقعها الالكترونية أسماء كثيرة عن شخصيات جديرة بقيادة المرحلة الانتقالية، نحو إعادة بناء شرعية السلطة ومؤسسات الدولة.

إن استمر الوئام بين قادة الجيش والحراك الشعبي في الجزائر. لعل من الأسماء التي أثارت انتباه متابعي الوضع في الجزائر، أربعة وجوه لها بصمات في الحياة السياسية الجزائرية، وتحظى في عمومها بتقدير من مجمل مكونات المجتمع السياسي والاجتماعي الجزائري، وهي تحديدا: ” احمد طالب الإبراهيمي”1932 ، الطبيب ورجل السياسة، وإبن البشير الإبراهيمي، المعروف بنضاله الوطني.

والرئيس الأسبق اليمين زروالّ 1941، العسكري ورجل السياسة، ابن باتنة عاصمة منطقة الأوراس، التي انطلقت منها ثورة الجزائر. ومن هذه الشخصيات أيضا “مولود حمروش” 1943، ابن قسطنطينة و”مهندس الإصلاحات”، كما ينعته البعض.

أما الشخصية الرابعة فهي “أحمد بن بيتور” (1946، رئيس الوزراء خلال العهدة الأولى للرئيس السابق “بوتفليقة”) 1999ـ  2000، ووزير سابق عدة مرات، وأحد المرشحين لرئاسيات 2012.

لاشك أن الحراك في حاجة ماسة إلى إفراز من يُعبر عن تطلعاته ومطالبه، ومن يقود الحوار والتفاوض بالنيابة عنه، ومن يُمثله من الثّقاة لإنجاز مهام الانتقال ومقاصده.. إنها الحلقة التي ستلعب الدور المفصلي المطلوب الآن، أي إدارة الانتقال وإنجاحه.

تشترك الشخصبات الأربع في كونها خبرت الحياة السياسية الجزائرية، وواكبت، بدرجات مختلفة، سيرورة الدولة الوطنية الحديثة، كما تتميز مجتمعة بسجل مختلف ، من حيث أوزار السلطة ومثالبها، عن نظيراتها من الشخصيات، التي لا تجد صدى طيبا، ومقبولية لدى مكونات الحراك الجزائري منذ انطلاقه في 22 فبراير/ شباط 2019. كما أنها انتقدت مجتمعة حصيلة العشرين سنة من حكم “بوتفليقة”، وما آلت إليه أوضاع الجزائر منذ انتهاء الولاية الثانية وحتى رحيل “بوتفليقة”، وتفاعلت مع الحراك، وثمّنت مطالبه السلمية، ودعت إلى الإنصات إلى ضمير الشعب ونداءاته.

لا يبدو حتى أن الآن قبول قادة الجيش فتح الطريق لمرحلة انتقالية على قاعدة التأويل الديمقراطي للفصلين السابع والثامن من الدستور، بل ما زالوا مصرين على ما يقضي به الفصل 102 من الدستور، أي التمسك بشكلية الوثيقة الدستورية وعدم الخروج عن أحكامها، علما أن العملية الجارية في الجزائر سياسية في عمقها، وأن حلولها لن تكون سوى سياسية بأغطية دستورية.

لذلك، ينظر الحراك إلى تجربة هذه الشخصيات وما تميز سلوكياتها من خصال ضمانة لإنجاح المرحلة الانتقالية، بل إن الاعتداد بالفصل 102 وتطبيقه بحرفيته، سيُعيد، في نظر الحراك، إنتاج النظام من جديد، ويضيِّع على الجزائريين فرصةً تاريخيةً لإعادة بناء شرعية سلطتِهم، ومؤسسات دولتهم.

لاشك أن الحراك في حاجة ماسة إلى إفراز من يُعبر عن تطلعاته ومطالبه، ومن يقود الحوار والتفاوض بالنيابة عنه، ومن يُمثله من الثّقاة لإنجاز مهام الانتقال ومقاصده.. إنها الحلقة التي ستلعب الدور المفصلي المطلوب الآن، أي إدارة الانتقال وإنجاحه.

وكما أسلفنا القول في مقال سابق، اشتركت مجمل الانتقالات الناجحة الحاصلة في أكثر من بلد من بلاد المعمور، في وجود شخصيات وكفاءات وخبرات، أسعفتها نزاهتها الوطنية، وخصالها الموسومة بالتجرد، ونظافة اليد، والولاء غير المشكوك فيه للمصلحة الوظنية في القيام بأدوار إنجاح سيرورات الانتقال من أنظمة مغلقة وشمولية زغير ديمقراطية إلى بناء نظم وشرعيات سياسية جديدة مغايرة جوهريا.

على الرغم من مرور أكثر من عشرة أسابيع على انطلاق الحراك الجزائري، ما زالت الفجوة بين رؤية الحراك للتغيير ومنهجية الجيش قائمة ومتباينة.

لذلك، قد تلعب الشخصيات المشار إليها أعلاه، أو غيرها من الأسماء ممن قد يتوافق عليها الحراك، في قيادة المرحلة الانتقالية، إن حصل تطور نوعي في موقف قادة الجيش، وتمَّ تأويل الفصلين السابع والثامن من الدستور، بما يتوافق مع مطالب الحراك وفهمه للعملية السلمية الجارية منذ الثاني والعشرين من فبراير/ شباط 2019.

ثمة مشاهد أو سيناريوهات يتم تداواُلها والتسويق لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وعلى ألسن تصريحات المتظاهرين، لعل أبرزها إتاحة المجال للحل السياسي المؤسس على روح الدستور لا على التمسك الشكلي والحرفي بأحكامه، وأساسا ما يقضي به الفصل 102.

فلو تم اعتماد تأويل سياسي ديمقراطي للفصلين السابع والثامن، واختار الشعب بمحض إرادته من يُعهد إليه و إليهم إدارة المرحلة الانتقالية، لاستطاع الوصول إلى تشكيل مجلس رئاسي من الشخصيات والكفاءات الموثوق فيها، الذي يختار بدوره حكومة بتنسيق وتشارك معه، ليُصار إلى انتخاب رئيس للبلاد بعد سنة، تعقبه انتخابات برلمانية وأخرى بلدية، وتصاحبها تعديلات وإصلاحات جوهرية إيجابية في النظام الانتخابي، والتقطيع الإداري للدوائر، وتأكيد ضمانات نزاهة الانتخابات وحيادية عمليات التصويت وتكريسها في النصوص القانونية المعدلة.

يبدو حتى الآن وكأن مؤسسة الجيش سائرة بإصرار في اتجاه الاحترام الحرفي لأحكام الفصل 102 من الدستور، وأنها مستبعِدة مطلب تأويل الفصلين السابع والثامن ، وفي ذات الوقت ، وكي تستمر موالية لتطلعات الشعب في التغيير، تُقدم بعد الفينة والأخرى على جرعات من الإجراءات تُعطي الانطباع أن هناك تطهيرا تدريجيا لما أسماه قائد الجيش أكثر من مرة في تصريحاته ب ” العصابة”، في إشارة إلى أركان النظام، أي بطانته من أسرة الرئيس وأقربائه والمقربين إليه من أجهزة الأمن والمخابرات،  والمتنفذين من رجال المال والأعمال.

على الرغم من مرور أكثر من عشرة أسابيع على انطلاق الحراك الجزائري، ما زالت الفجوة بين رؤية الحراك للتغيير ومنهجية الجيش قائمة ومتباينة.

ولئن عبر الجيش عن سلسلة من الإجراءات التي أقدم عليها في تجاوب مع مطالب الحراك، فإن الحلقات الدقيقة و الفاصلة في عملية الانتقال نحو التغيير لم يتم الإمساك بها بعد، ولا يعرف على وجه اليقين هل سيمسك قادة الجيش بها قريبا.. إنها القضية الأكثر مسؤولية وتحكما في طبيعة التغيير القادم في الجزائر.

عربي 21:امحمد مالكي

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك