هل تصبح مالي الباب الخلفي لعودة داعش؟

شكَّل انهيار الجغرافيا السياسية لتنظيم “داعش” في سوريا عقب تحرير بلدة الباغوز ومناطق شرق الفرات السورية من قبضة عناصره، بداية لنشاط متنامٍ مزدوج الملامح والأهداف في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، وبالتحديد في مالي، وهو الأمر الذي ربما يشكل “جيوبوليتك” جديدا للتنظيم يتجاوز به السيطرة الجغرافية التي فشل في الحفاظ على بقائها وتمددها.

وقد استطاع داعش أن يجمع في مناطق نفوذه الجديدة ما بين العمليات الانتحارية التقليدية، التي تمرَّس عليها في ولاياته السابقة وخاصة في العراق وسوريا، والالتحام المباشر الذي اكتسب فيه بعض الخبرة بعد مواجهاته مع الجيوش النظامية، وهو ما ظهر جليًّا في تبادل إطلاق النار بين مقاتلين من التنظيم والقوات الفرنسية في شمال مالي، وظهر في فيديو بثَّته وكالة أعماق في بداية أبريل 2019.

هذا المنحى الاستراتيجي يقود إلى إعادة التساؤل مجددًا حول مدى قدرة “داعش” على الاستمرار، وبالتالي التوسع وإعادة التموضع داخل جغرافيا جديدة تختلف عن الجغرافيا السابقة والتي شهدت انحساره.

ناهيك عن التعرف على العوامل المسببة لحالة “التجديد” المستمرة لدماء عناصره التي تصعّد وبشكل متلاحق من نشاطه وقدراته، بل الحفاظ على تماسكه البنيوي، على الرغم من كل الضربات التي تعرض لها خلال السنوات الخمس الأخيرة ومستقبل الصراع بينه وبين القاعدة التي تعتبر الصحراء الكبرى منطقة نفوذها الكلاسيكية.

أولاً: البنية التأسيسية المتنامية

تعود بداية الوجود الداعشي في مالي إلى مايو 2015 عندما أعلن أبوالوليد الصحراوي القيادي بحركة التوحيد والجهاد، التي تحالفت في عام 2012 مع جماعة “الموقعون بالدم” تحت مسمى جماعة “المرابطون” وسيطرت على شمال مالي بين خريف عام 2012 ومطلع عام 2013، في تسجيل صوتي، مبايعته لزعيم تنظيم داعش أبوبكر البغدادي، ودعوته الدفاع عن الخلافة بحسب قوله.

ولأن هذه الدول تعتبرها فرنسا جزءًا من إرثها الاستعماري في أفريقيا، اعتبر داعش القوات الفرنسية عدوا رئيسيا في حربه الدموية ليعلن في 11 يناير 2017 مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف بسيارة مفخخة قافلة للجنود الفرنسيين شرقي مالي، وأسفر عن تدمير آليات ومقتل عدد من الجنود الفرنسيين.

وفى 30 يونيو 2018، استهدف داعش مقر قوة مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا ببلدة سيفاري وسط مالي بتفجير سيارة ملغمة وإطلاق صواريخ عليه في محاولة لاختراقه تبعه تسلل عناصر داعش إلى المجمع وتبادل إطلاق النار معهم، مما أسفر عن مقتل 6 أشخاص على الأقل خلال الهجوم لترد فرنسا بتنفيذ عملية عسكرية نوعية تمكنت خلالها من قتل محمد الموينر أحد كبار قادة تنظيم “داعش” في منطقة ميناكا بشرق مالي يوم الأحد 26 أغسطس 2018 ليعلن التنظيم يوم الجمعة 19 أكتوبر 2018 مسؤوليته عن قتل جندي فرنسي يدعى عبداللطيف رفيق، خلال اشتباكات للتنظيم مع أفراد من الجيش الفرنسي.

ومع بداية عام 2019، بدأ داعش في استهداف المدنيين في مالي المنتمين للقبائل التي ترتبط بتحالفات مع القوات الفرنسية المتمركزة هناك، وقام في يناير 2019 بقتل 20 شخصا في هجوم شنه على 3 قرى في إقليم منكا في الشمال المالي، ليمتص بذلك الضربات الفرنسية ضده ويظهر من جديد في أول فيديو قتالي له مطلع أبريل/نيسان الجاري، كمحاولة لاستعراض قوته، حيث ظهر عناصره وهم ينصبون كميناً للقوات الفرنسية في منطقة ميناكا الشمالية بالقرب من الحدود المالية بالتوازي مع قيام عنصر آخر بتفجير نفسه في قوات فرنسية بالقرب من أكابار.

وفى ضوء ذلك، نجد أن عمليات داعش في مالي اتسمت بالتنوع والتركيز على كسر شوكة القوات الفرنسية صاحبة النفوذ الواسع في مناطق ودول الصحراء الأفريقية الكبرى، بالإضافة إلى نفوذها القوي والمتنامي على القرى المترامية في الشمال المالي.

ثانيا: عوامل الصعود الضاغطة

على الرغم من أن منطقة الساحل والصحراء الأفريقية بشكل عام، ومالي بشكل خاص، تتميز بالنزعة الصوفية المائلة إلى المهادنة وعدم تقبل الأفكار الجهادية العنيفة إلا أنَّ هناك عددًا من الأسباب التي تشكل عناصر صعود ضاغطة لنمو تنظيم داعش، يمكن تحديد أهمها في الآتي:

– سوء الإدارة: تأتى سوء الإدارة السياسية والاقتصادية والثقافية وافتقاد الشرعية وتفشي الفساد على رأس العوامل الضاغطة لصعود داعش في مالي، وبالتالي انضمام العديد من الشباب إلى التنظيم.

– ضعف الدولة المركزية: يشكل ضعف الدولة المركزية في مالي، وعدم قدرتها على إخضاع مناطق شاسعة لنفوذ الدولة عنصرا مهمًّا في انعدام وجود هوية وطنية واضحة، وبالتالي يصبح الانتماء إلى الجماعة الجهادية هو نوع من الانتماء لهوية واضحة.

– تردي الأوضاع البنيوية: تُعَد الأوضاع البنيوية الهشة في مالي مهيأة لنمو داعش وإحداث اختراقات في الأنسجة الاجتماعية المنقسمة والمتشظية بسبب الصراعات العرقية والحدودية بين الدولة وجيرانها التي تعد بمثابة الـ”قنبلة” القابلة للانفجار في أي لحظة.

– التشظي بين الفصائل الجهادية: والذي يعد من أهم الأسباب المساعدة في نمو داعش في مالي؛ فحركة المرابطون بزعامة مختار بالمختار منقسمة، والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي التي يتزعمها عبدالمالك درو كال غير فاعلة، وكذلك الأمر ذاته بالنسبة لجماعة أنصار الدين بزعامة إياد أغ غالي وجبهة تحرير ماسينا بزعامة أمادو كوفا يميلانا وكتيبة خالد بن الوليد بزعامة سليمان كيتا، والتي تعد جماعات محلية لا تحمل نفس ملامح تنظيم داعش.

– الصراع القبلي: تعاني مالي من الفشل السياسي بسبب الصراع المتنامي بين قبائل الطوارق وقبائل أزواد المتمردة على الحكم في مالي، وهو ما يجعل كلتيهما فريسة سهلة الاستغلال سواء من داعش أو القاعدة.

وفى ضوء ذلك، نجد أن سوء الإدارة وضعف الدولة المركزية وتردي الأوضاع البنيوية والتشظي بين الفصائل الجهادية والصراع القبلي شكلت عناصر صعود ضاغطة لنمو تنظيم داعش في مالي.

ثالثا: جغرافيا الصراع الرخوة بين القاعدة وداعش

تُعَد مالي جزءا لا يمكن فصله عن حالة الصراع بين تنظيمي القاعدة وداعش كمنطقة جغرافية رخوة للصراع بينهما في منطقة الصحراء الكبرى؛ فالقاعدة تستنفر قواها وتتناسى الخلافات بين فصائلها المتضاربة لمواجهة داعش وكأن الأمر امتحان للبقاء بينهما. ففي 18 نوفمبر 2015، جرت مواجهات هي الأولى من نوعها وقُتل فيها 6 مسلحين في اشتباكات بين وحدة تابعة لتنسيقية الحركات الأزوادية أبرز مجموعات الطوارق المسلحة شمالي مالي والقريبة من القاعدة وعناصر من فصيل مسلَّح موال لتنظيم داعش.

ولعل السبب في تشابه العمليات الإرهابية في مالي وبوركينا فاسو، في أهدافها وأسبابها، أنَّ تنظيم القاعدة في شمال وغرب أفريقيا، يحاول بكل قدرته الترويج لأنه ما زال موجودا بالمشهد الجهادي. من هنا، رأى ضرورة القيام بأعمال مسلَّحة نوعية تعيده إلى دائرة الضوء وتثبت أنه صاحب اليد الطولي في أفريقيا ولاسيما منطقة الساحل التي شكَّلت ولما يزيد على عقدين من الزمن منطقة نفوذ تاريخي للقاعدة.

وعلى الرغم من ذلك لا تزال القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في المنطقة وفروعها؛ كحركة التوحيد، والجهاد في غرب أفريقيا وحركة بوكو حرام، أو المجموعات القريبة منها كجماعة أنصار الدين، معامل تفريخ للجهاديين المحتملين المنضوين تحت لواء داعش في المستقبل تحت شعار “الخلافة” التي جذب بها أبوبكر البغدادي عشرات الآلاف من الإرهابيين.

ووفق تقارير استخباراتية غربية، تراوحت أعداد المنضوين من الشباب تحت هذه التنظيمات ما بين 7 آلاف إلى 43 ألف مقاتل، وأن قرابة نصفهم يمتلكون قدرات قتالية عالية، كما تنشط شبكات التجنيد على امتداد مدن دول الإقليم؛ حيث يوجد وسطاء التجنيد وينشطون ويعملون في قرابة 4 آلاف مدرسة ومعهد قرآني ومؤسسات دينية ذات طابع خيري ودعوي، وتشكل مجالًا خصبًا لوسطاء التجنيد لصالح التنظيمات الإرهابية، وتتركز هذه المدارس والمعاهد أساسا في مدن كيدال، ومنكا، وتمبكتو، وتاوديني، وغاو، وليري، وموبتي في مالي.

وفى ضوء ذلك، نجد أن مالي كباقي دول الساحل والصحراء ستشهد في السنوات القليلة المقبلة صراعَ نفوذ محموما بين تنظيمي القاعدة وداعش، ووفقًا للمعطيات والاستنتاجات المتعلقة بالنمو الداعشي في مالي، يجب التأكيد على النتائج التالية:

– على الرغم من العمليات العسكرية الواسعة ضد تنظيم داعش ومجموعاته في مالي لا يزال التنظيم لديه القدرة على إعادة تموضعه وتشكيل أذرع جديدة له. وهو الأمر الذي يستلزم وضع استراتيجية للمواجهة الشاملة، وعدم الاقتصار على الحل الأمني والعسكري فقط.

– على الرغم من أن القاعدة لا تزال صاحبة اليد الطولى في أفريقيا شمال وجنوب الصحراء، ولكن السنوات القليلة ربما ستكشف عن نمو كبير لمجموعات داعش خاصة الموجودة في مالي والنيجر باعتبارهما مجالًا خصبًا لتفريخ المتطرفين.

– على المجتمع الدولي، بالتعاون مع الحكومة المالية، وضع استراتيجية تساعد في معالجة الخلل في الأوضاع البنيوية للدولة وحل أزمة الصراع القبلي باعتبارها أسبابا تؤدي إلى نمو التطرف والتشدد، وبالتالي نمو داعش وغيره من الجماعات الإرهابية.

– العمل على وضع آليات شاملة لمكافحة الإرهاب في دول الساحل والصحراء وقاعدة معلومات شاملة لرصد الجماعات الإرهابية وعناصرها والتدفقات المالية الواردة لها ووقف تدفقها.

– تشكل مالي ودول الصحراء الكبرى واجهة مفضلة لتنظيم داعش، بخسارته معاقله في العراق وسوريا. وهو الأمر الذي يستلزم منع تحول الصحراء الأفريقية إلى ملاذ جديد ونقاط انطلاق لتنفيذ عمليات داعش الإرهابية في مناطق جديدة من العالم.

– يحاول داعش في مالي كسر شوكة القوات الفرنسية صاحبة النفوذ الواسع في مناطقها ومناطق دول الصحراء الأفريقية الكبرى، وهو الأمر الذي يتطلَّب من فرنسا إعادة النظر في تموضعها في هذه الدول.

ختاما يمكن القول إن تمدد داعش في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية بشكل عام، ومالي بشكل خاص، يمثل تحديا كبيرا أمام المجتمع الدولي يتطلب بذل المزيد من الجهود لمنع تحول” مالي” إلى حاضنة جديدة لهذا التنظيم الإرهابي.

مصطفى أمين عامر

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك