حراك الجزائر: بين تحكم الجيش ووحدة مكوناته

علي الانصاري

تراوح ازمة الجزائر مكانها، فكل الاجراءات التي اتخذها الجيش والسلطة ” جناح قايد وبنصالح وبدوي”، لم تف بمطالب مطمئنة للشارع الجزائري، والذي يرى ان مطلب التأسيس لدولة الحق والقانون ،لا يمكن ان تقوده نفس المجموعة ” العاصبة” التي اودت بالبلاد الى الهوية.
استعمل قائد اركان الجيش احمد قايد صالح، الحراك الشعبي وثقة الجزائريين في جيشهم، لتصفية حسابات مع اعداءه من نفس الدائرة التي كانت تقود البلاد لما يقارب ستين سنة، لكن ذلك لم يقنع الحراك بان عهدا جديدا في الجزائر بدأ يتبلور، فلا ملامح على امكانية إجراء انتخابات حرة ونزيه تحت مراقبة قضائية ودولية ،تؤدي لنتائج تعكس الإرادة الحقيقة للمواطن الجزائري.
يبدو أن الجيش وقوة مساندة ،منها الداخلي والخارجي والمحيط، تتخوف من الديمقراطية في الجزائر، ولا تثق في سلطة من اختيار الشعب، ولا زالت تجربة التسعينيات حين فازت جبهة الاسلامية للإنقاذ، حاضرة في ذهن الماسكين بالأمور وجهات اخرى دولية لها مصالحها الحيوية في الجزائر.
كما ان مطالب الشعب الجزائري بفتح التحقيق في كافة ملفات الفساد ونهب الثروات وخيرات بلد، يعتبر من اكبر بلدان العالم غنا، بفضل مخزون ثرواته الغازية والطاقية والمعدنية، ” مطلب” لا يروق لكثيرين” داخليا وخارجيا” ممن توالوا على حكم الجزائر وادارة ومؤسساته الاقتصادية.
لكن ،ورغم توافق جماهير الحراك الشعبي على شعار ” تناحاو قاع” ،الذي يرفعه الملايين في شوارع الجزائر كل جمعة وثلاثاء ، والذي يلخص مطالبهم في التخلص من نخب الماضي الفاسدة ساسة وعسكر ورجال اعمال، ونقل السلطة الى نخبة لم تتلطخ ايديها بملفات الفساد، تكون نتاج خيار ديمقراطي نزيهة يؤسس لدولة الحق والقانون ،رغم هذا التوافق المطلبي لا يبدو الحراك الشعبي الجزائري على قلب واحد ، مما صعب ايجاد قيادة موحدة له، تعمل على تأطيره ومحاورة الطرف الاخر بخصوص عملية الانتقال الى مرحلة جديدة تستجيب للمطالب الشعبية وتصون الجزائر مما لا تحمد عقباه.
فمكونات الحراك الشعبي، تبدو متنافرة أيديولوجيا وسياسيا ومنقسمة موالاة وبخصوص نظرتها للديمقراطية وللحراك وللمستقبل.
وهذا الوضع ادى لربما الى ظهور تشكيلات جديدة داخل الحراك ،منظمة بناءا على المهنية والاختصاصات، رغم اختلافاتهم الحزبية، فهناك القضاة الذين عبروا عن رفضهم التدخل في اختصاصاتهم واستعمالهم لتصفية حسابات سياسية، وعزموا على مقاطعة الاشراف على انتخابات السلطة المقبلة، كدليل واضح على انهم جزء لا يتجزأ من الحراك الشعبي.
وفي نفس الخندق نجد هيئات المحامين واساتذة الجامعات وجمعيات المجتمع المدني والطلبة الجامعات والثانويات ،والذين يعتبرون السند الشعبي القوي للحراك الشعبي.
هذه التنظيمات المهنية ،سحبت البساط من تحت الاحزاب السياسية ،التي تجد نفسها عاجزة عن مسايرة الحراك الشعبي في مطالبه المشروعة وفي ديناميته على مستوى الشارع الجزائري.
فالأحزاب بين احزاب المولاة التي كانت تتلقى التعليمات من شقيق الرئيس بوتفليقة مباشرة، فإذا بها بين يوم وليلة ،لا تجد من ينير لها طريق ،حاولت التخلص من قياداتها ،أملا في قبول الشارع لها، فلم تنجح ولم يثق بها احد ،فضلت الطريق وحارت في خياراتها ،وعلى رأس هذه الاحزاب حزب السلطة جبهة التحرير الوطني.
اما احزاب المعارضة المختلفة فهي على قسمين، قسم كان يأمل في العمل من داخل المؤسسات بعد ان تم استبعاده لسنوات، ولم يعارض العهدة الخامسة لبوتفليقة لأنه كان موعود بنصيب من الكعكة ، حال حركة مجتمع السلم ” حمس” التقاء قائده مع سعيد بوتفليقة قبيل الانتخابات الرئاسية، كان سيعطي بمشاركته في الانتخابات المصداقية لها، واخرى كانت تأمل في ايجاد مكان لها داخل دوائر السلطة قبل ان تفاجأ بالحراك ،والذي جرف معه كل تلك الآمال.
وهناك احزاب ذات المرجعية الامازيغية التي لم تخرج من جهويتها وتعصبها اللغوي، مما يحول دونها وبناء مشروع مجتمعي لجزائر الغد مع بقية المكونات الحزبية.
يبقى ان البعبع الذي يخيف الكثيرون داخل الجزائر ” الجيش ومكونات حزبية” وخارجها” دول المحيط وفرنسا وبعض الدول العربية” هو عودة الجبهة الاسلامية للإنقاذ المحظورة الى ممارسة العمل السياسي.
رغم حظر الجبهة منذ التسعينيات كخلاصات للبرنامج التصالحي للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، السلم والمصالحة، ومحاصرة قادتها داخليا ولجوء مؤسسها المرحوم عباس مدني لقطر، الى ان حضورها على مستوى خلاياها الأصلية ظل قويا ومؤثرا على المستوى الشعبي، وأن خف احيانا بسبب الخيارات الأمنية للسلطة في الجزائر، ولعبت تلك الخلايا دورا قويا في التأسيس للحراك الشعبي المستمر الى اليوم.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك