إفريقيا .. ميدان حرب ضارية مجهولة في «الساحل»

عبر حدودها الشمالية، هناك شبح يهدد بإعادة ليبيا إلى الحرب الأهلية. إلى الجنوب، هناك متشددو بوكو حرام والعصابات الإجرامية تعيث فسادا على طول كثير من الحدود مع نيجيريا، وبلغ التمرد إلى تشاد المجاورة، بالذات في مناطق البحيرة.
القاعدة في المغرب تقض مضجع الأراضي الصحراوية في الجزائر؛ والاشتباكات العِرقية وحركات التمرد في شمالي ووسط مالي انتشرت إلى بوركينا فاسو، ما أدى إلى الانهيار السريع لأجزاء من بلد كان فيما مضى يعد نموذجا للاستقرار.
في مكتبه، في نيامي عاصمة النيجر الناعسة، يشير كالا موتاري وزير الدفاع إلى خريطة كبيرة لبلاده التي تقع في قلب منطقة الساحل، القطاع شبه القاحل الذي يمتد على عرض إفريقيا ويتسم بمنطقة تشهد اضطرابات.
على بعد 16 كيلو مترا فقط، هناك طائرات ريبر بدون طيار وطائرات ميراج المقاتلة الفرنسية، التي تقلع يوميا في مهمات تستهدف عددا متزايدا من الجماعات المتطرفة العنيفة والمتطورة، خاصة في مالي المجاورة، كجزء من “عملية برخان”، وهي حملة فرنسية قوية مكونة من 4500 جندي في منطقة الساحل.
تصاعد العنف خلال الأشهر الستة الماضية خلف آلاف القتلى ومئات الآلاف من النازحين في واحدة من أفقر مناطق العالم.
الآن، يخشى البعض في نيامي أن يؤدي تجُدد القتال في ليبيا إلى تدفق نحو مليون مهاجر تقطعت بهم السبل هناك عبر حدودها.
يقول موتاري “إنها معجزة أن بلدنا لا يزال صامدا، بالنظر إلى هذه التهديدات”. ضمن حدود النيجر البالغة 5800 كيلو متر، 200 كيلو متر فقط على طول دولة بنين الساحلية الصغيرة، تظل هادئة في الغالب. غير ذلك، فإن “الوضع رهيب”.
السلطات النيجرية فككت في الآونة الأخيرة خلية نائمة من المتشددين الذين يعملون في نيامي، يقول موتاري “إنها كانت تستهدف المصالح العسكرية النيجيرية والأجنبية”. هذه الغارة زادت من قلق القوى الإقليمية والغربية أن العنف يتصاعد، ويمكن أن ينتشر إلى غرب إفريقيا الساحلي وما وراءها، ما أثار المخاوف بين بعض الأوروبيين بشأن ارتفاع محتمل في الهجرة.
فرنسا – اللاعب الأوروبي الرئيس في المنطقة – أنشأت سلسلة من القواعد العسكرية على طول الحدود بين مالي والنيجر من أجل احتواء التهديد، ووقعت اتفاق تعاون أمنيا موسعا مع بوركينا فاسو في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، لمعالجة تصاعد العنف.
يقول موتاري “مع اختفاء الدولة الليبية الموحدة، باتت النيجر الآن هي الحدود مع الغرب. إذا سقطت النيجر، فلن يبقى شيء”.
النيجر دولة مغلقة ليس لديها شواطئ على حدودها – وهي بلد تبلغ مساحته صعف مساحة أوكرانيا – تحتل المرتبة الأخيرة في مؤشر الأمم المتحدة للتنمية البشرية الذي يضم 189 بلدا.
البلدان المجاورة، تشاد وبوركينا فاسو ومالي، تقع جميعا ضمن آخر عشر مراتب. التهديدات في منطقة الساحل، في الوقت الحالي، مدفوعة إلى حد كبير محليا – فإن الجماعات المتشددة تستغل المظالم المحلية التي تراوح من النزاعات القديمة على مدى قرون، بين المزارعين والرعاة البدو إلى فراغات الحُكم ووحشية قوات الأمن الفردية. هذه التهديدات تشمل أيضا العصابات الإجرامية والميليشيات العِرقية وجماعات مطاردة المجرمين وتجار المخدرات والسلاح والبشر.
تقول الأدميرال هايدي بيرج، مديرة الاستخبارات في قاعدة أفريكوم الأمريكية التي تشرف على عمليات البنتاجون في إفريقيا “نحن قلقون للغاية بشأن ما يحدث في منطقة الساحل. هناك ارتفاع كبير في هذا النشاط المتطرف، فضلا عن ارتفاع في التحديات المرتبطة بقضايا الحكم ومشكلات الحكم في منطقة الساحل، التي أدت إلى هذه الزيادة في العنف”.
تدخلت فرنسا في المنطقة – حيث كانت فيما مضى القوة الاستعمارية الرئيسة – من أجل إلحاق الهزيمة بالتمرد المتشدد في مالي في عام 2013، لكن الجماعات الإرهابية منذ ذلك الحين أعادت تجميع صفوفها وانتشرت، ما أثار التساؤلات حول استراتيجية باريس.
شهد العام الماضي ارتفاعا في حوادث العنف، حيث لقي أكثر من خمسة آلاف شخص حتفهم في منطقة الساحل خلال الأشهر الخمسة الماضية وحدها، بزيادة بنسبة 46 في المائة عن الفترة نفسها من العام السابق، وذلك بحسب “مشروع مواقع النزاع المسلح وبيانات الأحداث”، الممول جزئيا من وزارة الخارجية الأمريكية.
الارتفاع في العنف اضطر آلافا إلى مغادرة منازلهم. في كانون الثاني (يناير) من عام 2018، لم يكن في النيجر أشخاص نازحون داخليا بفعل الاضطرابات في مالي.
أما الآن، فإن لديها 63 ألف شخص نازح إلى جانب 55 ألف لاجئ من مالي، وفقا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مع نحو 100 ألف نازح في بوركينا فاسو منذ تموز (يوليو) الماضي.
تقول الأدميرال بيرج “عدم الاستقرار في مالي يؤثر في جيرانها، وزيادة عدم الاستقرار في بوركينا فاسو تؤثر في جيرانها. أشعر بالقلق من أن ذلك قد يتحرك إلى الجنوب ويؤثر في ساحل العاج وبلدان ساحلية أخرى… إن ذلك قد يتحرك على الصعيد الإقليمي”.
تقع النيجر في قلب الاستراتيجيات الدولية لمكافحة الإرهاب في المنطقة. الوجود المدني الأمريكي زاد ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي.
وتعمل القوات الجوية الأمريكية الآن في بناء قاعدة بتكلفة 110 ملايين دولار للطائرات بدون طيار المسلحة بالقرب من أغاديس في المركز الصحراوي للبلاد، وهي بلدة تجارية قديمة عبر الصحراء، حيث يتعامل عمال الإغاثة مع تدفق المهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى أوروبا، مع مقاولين وموظفي خدمات من القطاع الخاص.
وفقا للجيش، هذه القاعدة هي أكبر مشروع بناء على الإطلاق للقوات الجوية وحدها. كما تبني واشنطن أيضا سفارة جديدة، ما يشير إلى التزامها تجاه البلاد والمنطقة.
يرفض موتاري الانتقادات التي تقول إن الوجود المتزايد للقوات الغربية يعمل كأداة لتجنيد الإرهابيين، مصرا على أن الولايات المتحدة وفرنسا موجودتان في النيجر بناء على طلب حكومته، إلى أن يتم تحييد التهديد المتشدد. ويقول “تم تجنيد المتشددين قبل وصول هذه القواعد. بمجرد أن يتغير الوضع… لن يكون هناك سبب لاستمرار هذه الترتيبات العسكرية”.
مشاعر الريبة باقية. نوهو أرزيكا ناشط المجتمع المدني البارز، يصف نشر القوات الدولية في النيجر بأنه محاولة للاستيلاء على مواردها، ويتوقع أن تستخدم السلطات المحلية القوة العسكرية الغربية للبقاء في السلطة، حيث ردد الانتقاد من أن فرنسا بشكل خاص تدعم الرجال الأقوياء في المنطقة.
يقول أرزيكا “هناك تعاون كبير بين السلطات المحلية والجيوش الغربية، لذلك عندما تواجه السلطات المحلية أي مشكلة، فإنها ستعتمد على الجيوش الغربية لإنقاذها”. إضافة إلى قاعدتها في نيامي، لدى فرنسا قاعدة ثانية بالقرب من الحدود الليبية، وتحصل على الدعم اللوجستي من ألمانيا ورومانيا وإيطاليا.
كما عززت البلدان الأوروبية أيضا العلاقات الدبلوماسية: تنوي بريطانيا فتح سفارة في العاصمة نيامي العام المقبل، وهناك برنامج تدريب كبير لقوات الأمن بقيادة الاتحاد الأوروبي يعمل في أنحاء المنطقة كافة.
يقول أحد كبار الدبلوماسيين في نيامي “إن احتمال حدوث ارتفاع جديد في الهجرة هو السبب المهم الذي يفسر المشاركة الأوروبية في منطقة الساحل”.
يقول الدبلوماسي “على المدى الطويل، ستكون المخاوف بشأن الهجرة غير النظامية مرتفعة بقدر المخاوف المتعلقة بالتهديد الإرهابي، بسبب معدلات المواليد هنا”، مشيرا إلى عدد المواليد في النيجر البالغ 7.1 مولود، وهو رقم قياسي تطابقه بعض حالات من البلدان المجاورة لها.
“أوروبا أدركت الآن أن القارتين… قريبتان جدا من بعضهما بعضا”، كما يقول فرانك فان دير مورين، رئيس بعثة التدريب التابعة للاتحاد الأوروبي في النيجر، التي دربت 13 ألف شخص من رجال الشرطة والدوريات الحدودية والحرس الوطني منذ عام 2012.
ويُضيف “تدفق الهجرة في ذروتها بين عامي 2014 و2016 كان دعوة استيقاظ حقيقية، لنقول (إن ما يحدث هناك يؤثر على الفور فيما يحدث في أوروبا). الآن ترى زيادة في وجود الجماعات العنيفة والإرهابية في المنطقة وقدراتها، هذا الأمر أيضا يثير قلق أوروبا”.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الأولوية هي الأمن. قلصت الولايات المتحدة المساعدة التكتيكية المباشرة في النيجر بعد مقتل تسعة جنود – من بينهم أربعة من جنودها – في كمين نصبه متشددون مرتبطون بجماعة “داعش” في عام 2017.
بدلا من ذلك، هي تفضل العمليات التدريبية والاستخباراتية. وعلى الرغم من أنها أعلنت سابقا أنها ستخفض نحو 10 في المائة من أفرادها البالغ عددهم سبعة آلاف في مختلف أنحاء إفريقيا، إلا أن الجيش الأمريكي بدأ في شباط (فبراير) الماضي، رحلات شحن أسبوعية من المقر الرئيس لقاعدة أفريكوم في ألمانيا إلى غانا، لتزويد القوات في غربي إفريقيا، ما يشير إلى التزام طويل الأمد.
يقول أحد كبار مسؤولي الدفاع الأجانب في نيامي “إن مشاركة واشنطن المستمرة في المنطقة، يمكن تفسيرها جزئيا من المخاوف أن البلدان في منطقة الساحل يمكن أن تصبح نقطة انطلاق للهجمات على الغرب”.
يقول المسؤول “في منطقة الساحل، توجد حكومات غير قادرة على معالجة قضايا الأمن، ولا توجد تنمية اقتصادية وهناك وظائف محدودة وجماعات تستغل التوترات المحلية؛ وهناك القرب من… أوروبا، وهذه المساحات المفتوحة الكبيرة، نحن لا نريد أن تقيم الجماعات الإرهابية في هذه المساحات المفتوحة الكبيرة.
في أفغانستان، كانت هناك أوجه تشابه أيديولوجية بين “طالبان” و”القاعدة”، وهي أمور لا وجود لها هنا، لكن هناك قلقا من حدوث ذلك”. أوريليان توبي، باحث أعلى مختص في مالي في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، يقول “إن مثل هذه المقارنات مُضللة”.
يقول: “في الوقت الحالي لم نشهد أي هجمات دولية، وشهدنا هجمات إقليمية استخدموا فيها مالي أو منطقة الساحل لمهاجمة أبيدجان عاصمة ساحل العاج. ليست لديهم فعليا القدرة على مهاجمة الولايات المتحدة أو فرنسا، على سبيل المثال، في الوقت الحالي. هناك كثير من الأفكار الغربية التي تم استيرادها من الشرق الأوسط ويتم تطبيقها في منطقة الساحل – مثل هجرة مقاتلي “داعش” إلى إفريقيا – لكن هذا شيء لا نراه”.
مع ذلك، لا تزال المنطقة، على حد تعبير مسؤول الدفاع الكبير، “مزيجا غير منظم من الجهات الفاعلة السيئة”. من بينها جماعات متشددة تحمل اسماء الصحراء الكبرى وجماعة النصرة وهو تحالف من أربع جماعات، من بينها فرع تنظيم القاعدة في المغرب والصحراء، و”المرابطون” و”الأنصار” في بوركينا فاسو.
تضم الجماعات آلاف المقاتلين فيما بينها، واكتسبت القوة من خلال اختيار الجماعات العِرقية البدوية، أو توفير الخدمات التي لا تستطيع الحكومات المحلية توفيرها، أو أن تعد بالوظائف أو الزواج أو التنوير الديني للشباب الساخطين.
كما تضم منطقة الساحل أيضا مجموعة متنوعة من قوات الأمن الوطنية ومتعددة الأطراف والإقليمية والدولية، أبرزها هي مينوسما، أي بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام التي تضم 16 ألف شخص في مالي – التي تعد الأكثر خطورة بالنسبة إلى قوات الأمم المتحدة – التي تعمل إلى جانب القوات الفرنسية والمحلية.
طبيعة الجماعات المتطرفة التي تنتقل عبر الحدود دفعت خمسة بلدان في منطقة الساحل – موريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر ومالي وتشاد – إلى تشكيل قوة الساحل لمجموعة الخمسة، التي تتمتع بالحرية لعبور الحدود.
الأمل النهائي هو أن يكون لديها خمسة آلاف جندي ضمن قوة مشتركة اتم إنشاؤها في عام 2014، إلا أنها واجهت نقصا في التمويل والمعدات. وفي حزيران (يونيو) الماضي تم تفجير مقرها الرئيس في وسط مالي، ما أجبرها على الانتقال إلى العاصمة باماكو.
يقول المحللون “إن الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل انتهازية أكثر مما هي أيديولوجية، ويغلب عليها العمل بشكل تعاوني أكبر”.
يقول مصدر حكومي غربي “أنت لا ترى قتالا عاديا بين “داعش” وعناصر “القاعدة” في مالي، فهم متحدون في مصالحهم المشتركة المتمثلة في تراجع الوجود العسكري الغربي في المقام الأول وطرد الحكومات المركزية، بحيث تكون لديهم مساحة عمليات أكبر لتثبيت أي حكومة يرونها مناسبة”. في القاعدة الجوية الفرنسية في نيامي، يشرح الجنرال فريديريك بلانشون قائد عملية بارخان عمليات بلاده التي تنتشر عبر منطقة بحجم أوروبا.
القاعدة، التي بجانب القاعدة الأمريكية، تضم ثلاثا من طائرات ريبر الخمس بدون طيار في البلاد، تطير في مهام مراقبة يومية معظمها في مالي ومنطقة النيجر الحدودية، لتحديد أهداف إرهابية محتملة لطائرات ميراج المقاتلة الأربع التي تعمل من القاعدة.
يقول “علينا استعادة وجود الدولة التي لم تكن موجودة قط في هذه المناطق… الفكرة هي تهيئة الظروف لكي تعيد الحكومة تثبيت الإدارة والحكم”.
هذه المهمة معقدة بسبب صراعات قديمة بين الشعوب البدوية التي لا تعد الحدود التي رسمها الاستعمار ذات معنى بالنسبة إليها، في منطقة يؤدي فيها النمو السكاني وتغير المناخ إلى تقليص الموارد المتاحة بسرعة.
يقول “في جذر الأزمة، هذا صراع على الموارد، وفوق هذه الأزمة، لديك جماعات مسلحة إرهابية تستفيد من هذا الوضع وتستغله. الصراعات قديمة جدا… الأمر لا يتعلق بالإرهاب فحسب”.
يقول الجنرال بلانشون “إن الهدف ليس القضاء التام على الجماعات الإرهابية، في الأجل الوسيط. لا يتعلق الأمر بالقضاء على هذه التهديدات، هذا الأمر غير ممكن” كما يقول، بل لمنع هذه التهديدات من اكتساب القوة أو الانتشار إلى بلدان أخرى، أو مفعول الدومينو.
“وجودنا يهدف إلى جلب الثقة إلى كل الناس الذين يريدون الاستثمار في التنمية في هذه المنطقة، القوات الفرنسية لن تبقى إلى الأبد هنا”.

FINANCIAL TIMES

نيل مونشي من نيامي

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك