كتاب “التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة (1921 – 1927)”

انطلق مشروع كتاب “التاريخ السري للحرب الكيماوية ضد منطقة الريف وجبالة (1921 – 1927)“، منذ 15 سنة، عندما كنت أعمل كباحث مساعد بمركز الدراسات الإسبانية، التابع لجامعة لندن، والذي يرأسه المؤرخ الإنجليزي الشهير بول بريستون Paul Preston، ومساعده في الإدارة، المؤرخ الإنجليزي سيباستيان بالفور Sebastina Balfour. وكان المركز آنذاك يضم ثلة من المؤرخين والباحثين العالميين من مختلف الدول.

في هذا السياق، يعتبر الكتاب أول عمل أكاديمي باللغة العربية يمكن القراء من الاطلاع على موضوع شائك، ظل لعقود في طي الكتمان، وهو المتعلق باستخدام إسبانيا لغازات كيماوية سامة محظورة دوليا ضد مدنيين مغاربة من منطقة الحماية الإسبانية في شمال المغرب. فقد أخذ الموضوع حيزا مهما ضمن نقاشات المؤرخين، والمهتمين، وكذا فعاليات المجتمع المدني، والمتعلقة باعتراف إسبانيا باستخدام الغازات الكيماوية، ومن ثم، تقديم اعتذار رسمي للشعب المغربي، وكذا، تقديم تعويض مادي للضحايا. وما ميز هذا النقاش، هو ارتباط استخدام الغازات السامة في المخيال الجماعي للشعب المغربي بمنطقة الريف، ولكن الجديد الذي جاء به الكتاب، هو تسليط الضوء على عمليات القصف بواسطة تلك الغازات ضد منطقة جبالة، وهو موضوع ظل لعقود عدة غير معروف بتاتا.

من مميزات الكتاب، تقديمه من طرف اثنين من كبار المختصين في موضوع استخدام إسبانيا للغازات الكيماوية السامة ضد منطقة الحماية الإسبانية بشمال المغرب، وهما، المؤرخ الإنجليزي سيباستيان بالفور Sebastian Balfour، والمؤرخة الإسبانية ماريا روسا دي مادارياغا María Rosa de Madariga، واللذان تشرفت بالعمل إلى جانبهما لسنوات عدة، أثمرت عن إصدار أعمال قيمة حول الموضوع.

في نفس الإطار، أثار موقف السلطان مولاي يوسف من استخدام إسبانيا لغازات محرمة دوليا ضد رعاياه، الكثير من النقاش، سواء من طرف المؤرخين الأجانب، أو من طرف فعاليات المجتمع المدني المغربي، والتي صبت جميعها في اتجاه اتهام السلطان بالتواطؤ مع إسبانيا بهدف القضاء على “الحركة الانفصالية” للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي. وقد قمت، بواسطة مادة مصدرية، خصوصا وثائق الفترة، والتي أهداني إياها مشكورا الدكتور رشيد يشوتي، من المعهد الجامعي للبحث العلمي، بدحض هكذا اتهام، حيث أكدت بالدليل القاطع اعتراض السلطان مولاي يوسف، وغضبه الشديد، ثم احتجاجه، وتهديده بإعلان نداء يتلى داخل مساجد المملكة، عن موقفه الصارم ضد استخدام إسبانيا للغازات السامة ضد الأطفال والنساء والعجزة – حسب قول السلطان – بمنطقة طنجة في شهر دجنبر 1924.

في موازاة ذلك، ومن أجل إثبات جميع الطروحات الجديدة التي أتى بها الكتاب، كان لابد من الاستناد إلى مادة مصدرية غميسة، والتي نذكر من بينها، وثائق بلغات متعددة، عربية، فرنسية وإسبانية، تنشر لأول مرة، والتي اكتشفها المؤرخ المغربي الدكتور رشيد يشوتي بالربائد الفرنسية، خصوصا المحفوظة بوازرة الحربية شاطو دو فانسين Château de Vincennes، بالعاصمة باريس، وكذا، المحفوظة بوازرة الشؤون الخارجية (كي دورساي Quei d’Orsay)، بالعاصمة باريس كذلك؛ والتي أهداني إياها مشكورا، موثرا أن تنشر ضمن ثنايا هذا الكتاب، وهي سابقة من نوعها، أدعو جميع المؤرخين والباحثين أن يحذوا حذوها، بحيث، أؤكد أن هذه الوثائق أعطت إضافة نوعية للموضوع، وكشفت النقاب عن عدة قضايا ظلت لعقود في طي الكتمان.

كذلك، وفي السياق ذاته، تم الاعتماد على شهادات شفوية لفاعلين أساسيين وشهود العيان، هي في الأصل استجوابات أجريتها بمعية المؤرخ الإنجليزي سيباستيان بالفور Sebastian Balfour في المنطقة الشمالية الغربية (جبالة)، والمنطقة الشمالية الشرقية (الريف) سنة 2000، وهي كذلك، بلغات ولهجات متعددة: الدارجة المغربية، الشلحة الريفية، واللغة الإسبانية، والتي كذلك، أهداني إياها مشكورا المؤرخ الإنجليزي، لكي تطعم، وتغني مواضيع هذا الكتاب.

في هذا الصدد، ومن أجل الوقوف على حيثيات الموضوع، تجب الإشارة إلى أن إسبانيا استوردت في أول الأمر غازات كيماوية مخصصة للاستعمال المدني، وهي في الأصل عبارة عن مبيدات فلاحية تستخدم في القضاء على الحشرات والقوارض، وكان الهدف من ذلك الالتفاف على بنود معاهدة فرساي لسنة 1919، والتي أرغمت ألمانيا على تفكيك ترسانتها الكيماوية، حيث كانت إسبانيا من أشد الدول المتحمسة للحصول على تلك الغازات، رغم أنها اعتمدت في أول الأمر على غازات كيماوية مستوردة من شركة شنايدر Schneider الفرنسية.

في السياق ذاته، لعب الوسيط الألماني هوغو سطولتزينبيرغ Stoltzenberg دورا رئيسيا في تطوير الترسانة الكيماوية الإسبانية، وتطويع استخدام هذه الغازات لكي تتوافق مع الطوبوغرافية المغربية المعقدة، والنصح باقتفاء تكتيكات جديدة في الحرب، عن طريق توجيه الضربات ّإلى أهداف لم تكن معروفة من قبل في الحروب، كالأسواق، ومنابع المياه، وذلك بهدف فرض حصار اقتصادي على السكان، ودفعهم إلى الاستسلام. كذلك، تعهدت ألمانيا بمساعدة إسبانيا في بناء مصانع لإنتاج الغازات من أجل تعبئتها داخل القنابل، بحيث، في انتظار انطلاق عملية الإنتاج، اعتمدت إسبانيا على كميات الغازات المتوفرة لدى ألمانيا لتعبئتها داخل القنابل، واستخدامها في العمليات العسكرية.

وهكذا، وارتباطا بما سبق، انطلقت عمليات القصف في مرحلة أولى، بواسطة قطع المدفعية، حيث تم استخدام قنابل لغازات خانقة، كالغاز المسيل للدموع، أو غاز الفوسجين، لتتطور باستخدام غازات سامة حارقة، كغاز الخردل / الإبيريت. أما في المرحلة الثانية، فقد تم الاعتماد على الطيران لاستخدام غازات خانقة أول الأول، وغازات سامة حارقة بعد ذلك.

في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى أنه، ولأول مرة في تاريخ الحروب، سوف تم استخدام الطيران في عمليات إلقاء قنابل الغازات السامة ضد منطقة الريف وجبالة، بحيث، لم يفوتني أن أتطرق في هذا السياق، وباستفاضة، إلى مشاركة السرب الجوي الأمريكي “لافاييت Lafayette“، في عمليات القصف ضد المنطقة، وهو موضوع لم يحظ بما فيه الكفاية من المعالجة.

ختاما، لا يفوتني أن أتقدم بخالص تشكراتي لكل من ساهم من قريب أو بعيد في إنجاز هذا الكتاب، والذي أعتبره قاعدة لتمهيد الطريق أمام أبحاث مستقبلية ستكشف، لا محالة، على جوانب مغفلة من هذا التاريخ المشترك المغربي الإسباني المسكوت عنه.

د.مصطفى المرون

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك