مجرد يوم عادي..

كنت قد غادرت شقتي في ذلك اليوم من أيام شهر ديسمبر الباردة قبيل الفجر بقليل، متجهة إلى محطة القطار بالرباط المدينة مغادرة صوب جامعة شعيب الدكالي بمدينة الجديدة، كنت حريصة على اللحاق بقطار الساعة 6h15 كما هو مبين في التذكرة، لا مجال للتأخر فقطاراتنا أمرها غريب، لا تغادر المحطة في وقتها المحدد بالدقيقة و الثانية الا حين تتأخر أنت في القدوم للمحطة معولً على تأخرها الدائم و المستمر و الطبيعي و المعتاد و…

كان رصيف الاركاب باردا، سرت قشعريرة ببدني لم تنفعني معها “ملحفتي” ولا والوشاح الذي أحيط به كتفاي ..
تأخر القطار ربع ساعة عن موعده، كانت أطرافي قد بدأت تتجمد و لون أصابعي يتحول إلى أزرق قاني..

كان أغلب الركاب نصف نوام و الباقي نائم فعلا.. كم أشفق على كل هؤلاء الموظفين الذين يتنقلون بشكل يومي بين الرباط و الدار البيضاء.. إن الأمر فعلا متعب و مرهق و صعب، على الأقل بالنسبة لفتاة مثلي قضت كل حياتها في مدينة صغيرة لا تستيقظ الا مع وقت الضحى و حتى الموظفين بها يمشون متثاقلين بهدوء صوب وظائفهم صباحا دون عجلة أو تتدافع و يصلون في وقتهم دون ضغط..
كل شيء هناك يمشي الهوينى..
استيقض النوام على صوت السيدة التي أعلنت أنها نهاية السير المرجو النزول..

هذا اسوء مقطع في الرحلة، تغيير القطار، خصوصا حين تضطر للانتظار أكثر من نصف ساعة، غادرنا القطار..
شعرت كأني خرجت من المدفأة و دخلت مبردا للأسماك..
الجو في البيضاء أكثر برودة من الرباط، هرعت إلى داخل المحطة و جلست بأحد المقاهي و طلبت قهوة سوداء، تفتح ذهني و انفتحت عيناي بمجرد أن ارتشفت منها رشفة، لا شيء يعلو على القهوة..

تابعنا الرحلة بعدها، ووصلت مدينة الجديدة على الساعة 10h10 دقائق، قضيت اليوم بطوله في الحرم الجامعي، في نهاية اليوم كان التعب قد أخذ مني مأخذا لكني قررت أن أعود إلى شقتي بالرباط، لا راحة الا في مملكتي..
لحقت بقطار الساعة 18h15 دقيقة..
اخترت الدرجة الأولى لأني لن استطيع تحمل الضجيج الذي يكون في الدرجة الثانية، راسي اساسا يكاد ينفجر..

كنت احمل في حقيبتي رواية للكاتب الفرنسي، Guillaume Musso، كنت قد تعرفت إلى رواياته سنة 2013 بفضل صديقتي أخصائية أمراض القلب (الدكتورة فاطمة الزهراء و) حين كنا نقضي نهاية الأسبوع بطولها في “المملكة”، و هو الاسم الذي اطلقته هي على الغرفة التي كنت أشغلها بمنزل أهلي، كانت الغرفة منفصلة عن العالم، حين تدخلها لا تعود تشعر بما حولك، قد تختفي المدينة عن الوجود دون أن تشعر، كنا نظل ممدتين كل واحدة على سرير في جهة من الغرفة، تحمل كتابا او رواية، كنت انا ادرس بالجامعة حينها، احاول ان اعيد العلاقة التي انقطعت مع الكتب تماما بعد 2005 (هذا موضوع قد اثير حيثياته يوما) كنت قد اكتشفت خطة لإعادة الرغبة في القراءة حيث اقرأ كل كتاب برواية(كأني امرر الخبز بالشاي)..
شجعتني صديقتي على قراءة روايات MUSSO، أسلوبه سلس واضح بسيط يحفزك على متابعة القراءة دون ملل..

المهم قلت في نفسي فرصة لأثبت لنفسي أن مثل مواطني، الغرب المتقدم، المتطور والراقي، الذين لا يضيعون الوقت و يحملون كتابا أينما ذهبوا، حسب الفيس بوك و الواتساب..

(و يا رتني ما تنيلت ) انا أساسا أعلم اني لدي عيب وراثي، حين افتح كتابا مفيذا و مثيرا او رواية شيقة أغيب عن الوجود، يشهد على ذلك كل الأواني المحروقة بمطبخي و روائح الذخان التي تملء فراش بيتي..
فتحت الرواية و لم انتبه إلى بعد أن سمعت طرقا على النافذة الزجاجية للمقطورة، في نفس الوقت سمعت أحدهم من الباب خلفي يقول :
السلام عليكم !
التفت إليه بنظرة متوجسة..
قال :
راه سالينا أ لالة، غادي نسدوا المحطة.
قلت باستغراب :
كيفاش !
أجاب :
سالينا السربيس، المحطة ديال casa port غادي تسد.
انا باستغراب :
و لكن انا مقطعة للرباط، كيفاش ساليتوا !
راه كان خصك تنزلي تبدلي التران فمحطة casa voyageurs.
انا بارتياح :
يا سلااااام.. و شنو المعمول ؟
أجاب :
راه تقدري تلحقي التران ديال 22h26 دقيقة، كاين طاكسيات عند الباب غادي نمشي معاك شدي طاكسي و إن شاء الله تلحقي..
اقفلت باب التاكسي و قلت باختصار ؛
كازا فواياجور..و عينك ما تشوف الا النور.
ظل السائق يغمغم بانفعال.. يقول أنه لن يذهب إلى هناك و انه اساسا انهى الخدمة و بلا بلا بلا..

لا جواب من طرفي، تعلمت من الحياة أن لا أدخل حروبا و معارك او حتى نقاشات لست واثقة من الفوز بها..
التفت إلي..
رمقته بنظرة شزرة ووجه بارد غاضب منفعل..
انطلق بعدها مباشرة وهو يتابع (النكٌير)
بعد أمتار توقف عند تاكسي كان بعض الزبناء بغادرونه..
قال لزميله :
عافاك اخويا واش توصل معاك واحد
لبلاصة لكازا فواياجور؟!
أجاب الثاني:
اييه مرحبا.
نزلت دون أن اكلمه و ركبت التاكسي الثاني.
قلت دون مقدمات:
ارجوك اختصر الطريق و سادفع لك ثمن الرحلة مضاعفا.
سأل:
واش مشا عليك التران !؟
أجبته :
لا، نسيت ان انزل في المحطة السابقة و جاء بي القطار إلى هنا و قد انتهتوا..
ضحك الرجل كثيرا و قال :
سبحان اللي ما يسهى..
حكى لي كيف ان زبونا ركب معه اليوم كان (مرفوع أكثر مني) على حسب تعبيره ؛
اليوم ركب معي رجل في متوسط العمر من نفس هذه المحطة، و في منصف الطريق، سمعته يقول ؛
لا حول ولا قوة الا بالله !
سألته؛ ياك لاباس ؟
قال لقد نسيت سيارتي في موقف السيارات التابع للمحطة، جئت بسيارتي و نسيتها تماما، ارجوك اعدني إلى المحطة..
ابتسمت و انا افكر أن الحمد لله اذا عمت هانت..

لحقت القطار لأنه تأخر عن موعده طبعا، اللهم ادمها نعمة في مثل هذه الظروف..
اكملت رحلتي في الدرجة الثانية و قررت بعدها أن لا أركب الدرجة الأولى، خصوصا في الرحلات القصيرة، فلو كنت اركب مع “ولاد الشعب” لما تركوني خلفهم، و لكانوا نبهوني..

صلى الله و سلم على سيدنا محمد الذي كان يدعو ؛
( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا ، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا ، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )

في تلك الليلة وصلت شقتي (عشي) بالرباط منتصف الليل، منهكة متعبة خائرة القوى..
طريق العلم شاقة.

نقل عن صفحتها على الفيس بوك

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.