صراع تركي أمريكي حول ليبيا

 المرصد :أحمد نظيف 

لا يبدو أن العلاقات التركية الأمريكية ستعود إلى ما كانت عليها سابقاً من تحالف وثيق وود خالص. فإلى جانب الملفات العالقة بين الطرفيين، جاء الصراع الليبي ليزيد الأمور تعقيداً. فعلى نحو غير مسبوق وبشكل علني، أصبحت إدارة ترامب أحد أهم داعمي المشير حفتر، في مايتمترس أردوغان في المعسكر المقابل داعماً لحكومة السراج ولحلفائه من الجماعات الإسلامية المسلحة.

في بداية يوليو الماضي، عرقلت الولايات المتحدة إصدار بيان عن مجلس الأمن الدولي يدين الضربة ضدّ مركز لاحتجاز المهاجرين في ليبيا، دعما أميركيا للمشير خليفة حفتر وقواته، في خطوة وصفتها صحيفة “أحوال التركية ” بأنها أنها رسالة أميركية موجّهة بشكل صريح وواضح لكلّ من تركيا وقطر بشكل خاص. ونقلت الصحيفة عن جيمس دورسي الباحث في معهد راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة قوله بأن الدعم الأميركي لحفتر “ليس أمرا مفاجئا. إنه مؤشر إلى تغيير في السياسة الأميركية حيال ليبيا”.وقال دورسي إنّ الولايات المتحدة “لم تسحب (…) اعترافها بحكومة الوفاق الوطني، لكنها تواصلت مع حفتر على أعلى المستويات بحكم الأمر الواقع”. مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع حفتر على أنّه “يتصدى للإسلاميين”،

من جانبه كشف طلال الميهوب رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان الليبي، عن أن اللجنة قدمت للكونغرس الأمريكي وثائق وأدلة عن حجم ونوع التورط العسكري التركي والقطري في الصراع الدائر في ليبيا حالياً. وقال الميهوب، في مقابلة هاتفية مع وكالة الأنباء الألمانية: ” “قدمنا خلال زيارتنا للولايات المتحدة خلال الأيام الماضية ولقاءاتنا مع عدد من أعضاء الكونغرس، وحاليا في فرنسا مع مساعد وزير الخارجية الفرنسي لشؤون شمال إفريقيا والمغرب العربي والشرق الأوسط، كل المستندات والملفات التي توضح حقيقة الصراع في بلادنا وتفضح التدخل التركي والقطري السافر في شؤوننا بهدف دعم وتثبيت حكم هذا التيار الإسلامي في البلاد. وبالتالي قدمنا شرحا تفصيليا لأسباب انطلاق الجيش الوطني نحو العاصمة لتحريرها من قبضة هذه الميلشيات الإرهابية والمتطرفة التي انقلبت على نتائج العملية الديمقراطية عام 2014 لفشلها في تحقيق الأغلبية حين ذاك… وكيف أن هذا الانطلاق العسكري للجيش الوطني نحو العاصمة جاء بتأييد من البرلمان المنتخب على نحو شرعي من قبل أبناء الشعب الليبي “.

وحول طبيعة وماهية المستندات المقدمة تحديدا، قال الميهوب “قدمنا وثائق تثبت تمويل ما يعرف بالمجلس الرئاسي لهذه الميلشيات الإرهابية وكيف أنها تضم بين صفوفها مطلوبين على قوائم الإرهاب بمجلس الأمن. وقدمنا أشرطة فيديو على التدخل التركي وأمداد السفن لهذه الميلشيات والعصابات بالكثير من حمولات السلاح والذخائر، فضلا عن إدارة بعض قياداتهم لغرف العمليات على الأرض.”وتابع “والحقيقة أننا لمسنا تفهما ودعما كاملا سواء من الجانب الأميركي أو الفرنسي لمسببات وأهداف الحرب على الإرهاب التي يخوضها الجيش الوطني حاليا.”ورفض رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي التطرق حول ما إذا كان الوفد البرلماني الذي يرأسه قد طلب التنسيق مع كل من القوات العسكرية الأميركية بأفريقيا (أفريكوم) أو القوات الفرنسية الموجودة بمنطقة الساحل الإفريقي وذلك في إطار الحرب المشتركة على الإرهاب بالمنطقة والقارة الإفريقية، وتحديدا في ليبيا لما تردد مؤخرا عن انتقال عناصر وقيادات عديدة لداعش من سوريا والعراق لجنوبها، واكتفى بالقول “هناك أمور فنية عديدة لا يجب الخوض فيها إعلاميا. ولكننا طالبنا بكل زياراتنا برفع الحظر المفروض على تصدير السلاح لنا. حتى نستطيع المواجهة ولو بدرجة الدعم التسليحي اللامحدود الذي تقدمه تركيا للميلشيات الإرهابية بالعاصمة”.

وأواخر الشهر الماضي كان الجيش الوطني الليبي قد أصدرالاوامر لاستهداف القطع البحرية التركية في المياه الليبية بالإضافة إلى الأهداف الاستراتيجية التركية على الأرض في البلاد، وقال احمد المسماري الناطق باسم الجيش الوطني الليبي: ” لقد تعرضت سيادة الأراضي الليبية لاعتداءات تركية غير شرعية أدت إلى أعمال تدميرية”، لافتا إلى أنه ونتيجة لذلك فإن “أهدافا مثل الشركات والمقرات والمشاريع التي تعود للحكومة التركية ستعتبر كلها أهدافا شرعية للقوات المسلحة الليبية”.

  • السراج يحاول اقناع الأمريكان

في 24 يوليو الماضي، وقبل أن تقلع طائراته بلحظات، أعلمت وزارة الخارجية الليبية، نظيرتها في تونس، أن رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، فايز السراج في طريقه إلى العاصمة تونس. في زيارة غير معلنة. وصل السراج على عجل إلى تونس ليلتقي القائم بالأعمال في السفارة الأمريكية لدى ليبيا، والمقيم منذ أكثر من ثلاث سنوات في تونس. مصادر ديبلوماسية، قالت لبوابة إفريقيا الإخبارية أن اللقاء تمت برمجته في أخر لحظة، ولم يجرى في مقر السفارة الأمريكية.

وعلى الرغم من وكالة الأنباء التابعة للحكومة التركية، حاولت أن تربط زيارة السراج المفاجئة إلى تونس بقضية الطائرة التابعة لقيادة الجيش، والتي تعرضت لخلل فني بأجهزة الملاحة، ما اضطرها للهبوط جنوبي تونس، بينما كانت متجهة إلى قاعدة الوطية الجوية العسكري على الحدود، بن البلدين، إلا أن الأسباب الحقيقة وراء الزيارة هي التحول الميداني الذي حدث خلال الأسبوع الماضي، والذي ظهر في تقهقر واضح لقوات حكومة الوفاق وتقدم لقوات الجيش على محاور عديدة جنوب العاصمة طرابلس.

من جانبها نشرت السفارة الأمريكية في ليبيا، بياناً مقتضباً على صفحتها الرسمية بموقع فيسبوك، قالت فيه، إن فائز السراج، والقائم بأعمال السفارة الأمريكية بالنيابة، جوشوا هاريس، أكدا على أهمية الوقف الفوري للقتال في طرابلس والعودة السريعة للعملية السياسية بوساطة الأمم المتحدة.  وأن اللقاء جاء لـ “لمناقشة التعاون المستمر لمكافحة الإرهاب.”

كما التقى السراج بعد اجتماعه بالسفير الأمريكي، السفير الألماني في ليبيا أوليفر أوفتشا مستجدات الأوضاع في ليبيا، وتطورات حرب العاصمة. وقال السراج، خلال اللقاء، إن قوات حكومة الوفاق مستمرة في الحرب دفاعا عن العاصمة، وحتى إرغام المعتدي على العودة من حيث أتى، وفق بيان نشرته إدارة التواصل والإعلام بحكومة الوفاق.

وقالت مصادر ديبلوماسية في تونس لبوابة إفريقيا الإخبارية إن السراج جاء إلى تونس “ليطلب من القائم بالأعمال الأمريكي والألماني أن يتوسطا لدى القيادة العامة للجيش الليبي، لوقف إطلاق نار أو حتى هدنة مؤقتة، لفتح مجال للتفاوض”. وأشارت المصادر نفسها إلى أن السراج أعلم القائم بالأعمال الأمريكي، بأن أجهزته الأمنية في طرابلس قد نجحت في اعتقال ثلاث قيادات خطيرة لتنظيم القاعدة مطلوبة دولياً، كما قدم له معلومات مفصلة حول هؤلاء المعتقلين. وهو الأمر الذي أشارت إليه السفارة الأمريكية في بيانها المقتضب بالقول إن اللقاء جاء لـ “لمناقشة التعاون المستمر لمكافحة الإرهاب.”

ويبدو أن حكومة الوفاق تريد أن تلعب ورقة “التعاون في مكافحة الإرهاب” لإقناع الجانب الأمريكي بسحب دعمه الملحوظ للمشير حفتر، والضغط عليه لوقف القتال أو حتى التراجع عن خطوط سيطرته جنوب العاصمة طرابلس. كما تحاول حكومة الوفاق اقناع الجانب الأمريكي بأن تدهور الوضع في طرابلس سيؤدي إلى تقوية الجماعات الإرهابية.

ولم تمضي ساعات عن لقاء السراج بالقائم بالأعمال الأمريكي، حتى أعلنت غرفة العمليات الأمنية المشتركة مصراتة، التابعة لحكومة الوفاق عن إلقاء القبض على 3 قادة في تنظيم القاعدة في العاصمة طرابلس. وقالت الغرفة: “في إطار مكافحة الإرهاب وملاحقة المطلوبين محليا ودوليا، نفذت القوة التابعة لغرفة العمليات الأمنية المشتركة مصراتة عملية مداهمة وقبض في حق إرهابيين مطلوبين دوليًا”. وأضافت أنها ألقت القبض على ثلاث عناصر يصنفون كقادة في تنظيم القاعدة، وصادرة في حقهم مذكرات قبض من مكتب التحقيقات بمكتب النائب العام“.وأوضحت أنهم تسللوا للمكان في الفترة الأخيرة، مستغلين تدهور الوضع الأمني، مشيرة على أن عناصرها اشتبكت مع أحد المطلوبين، وبعد تضييق الخناق عليه تم إجباره على تسليم نفسه. وأضافت “تم التأكيد على هوية المطلوبين، وبينهم المطلوب الرئيسي، وهو جزائري الجنسية ومكنى بالشاوي، برفقة المطلوبين الآخرين من الجنسية الليبية.”

  • جذور الصراع

لا يختلف اثنان حول الدوافع الإيديولوجية، للحرب السرية والمعلنة التي يخوضها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية في ليبيا، منذ سنوات. لكن روابط العقيدة والأفكار، ليست وحدها التي تدفع أردوغان للنزول بالثقل التركي في الساحة الليبية المستعرة، فيبدو أن المال والغاز، المتوفران بكميات كبيرة في ليبيا، محركان مهمان في هذا الحماس التركي لدعم حكومة الوفاق، والمجموعات الإسلامية المتطرفة التي تساندها.

في تقرير نشر في وكالة بلومبيرغ، المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، كشف مسؤولون أتراك عن أحد أسباب دعم تركيا لحكومة الوفاق، هو إنقاذ مليارات الدولارات من العقود التجارية التي تم الاتفاق عليها مع المسؤولين في طرابلس، وأصبحت في مأزق بسبب النزاع وكذلك لتأمين المزيد من النفوذ في التدافع على النفط والغاز في البحر المتوسط. وقال المسؤولان الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم إن الهدف الرئيسي لتركيا في دعم حكومة فايز السراج هو ضمان قدرتها في نهاية المطاف على استئناف مشاريع البناء والإنشاء المتفق عليها والتي تناهز قيمتها 18 مليار دولار.

وفي السياق ذاته يؤكد الأكاديمي التركي، أويتونأورهان من مركز الدراسات الاستراتيجية للشرق الوسط، على الدوافع الاقتصادية وخاصة تلك المتعلقة بالطاقة، وراء الحماس التركي للدعم أحد طرفي النزاع في ليبيا. ويقول أورهان: “بما أن ليبيا بلد غني بالنفط وبمخزونات الغاز ويتاخم طرق تجارية هامة في البحر المتوسط، فإن ليبيا التي فقدت الاستقرار تجلب بسرعة أطماع الفاعلين الدوليين، وهذا ينطبق أيضا على الحكومة التركية. فمنذ حقبة القذافي كان الكثير من الشركات التركية يعمل في تركيا. لكن بعد الحرب الأهلية خسرت ليبيا من أهميتها الاقتصادية وبالتالي تراجع الاهتمام بالاستثمار“.

وبشكل أكثر وضوحاً يشير الكاتب التركي، بُراق تويغان، في افتتاحية صحيفة “أحوال” المحلية إلى أنه ثمة غنائم اقتصادية واضحة في ليبيا، البلد الذي يملك بعضا من أغنى موارد النفط والغاز في أفريقيا، ويمكنه في ظل قلة عدد سكانه أن يصدر تلك الاحتياطيات الهيدروكربونية بالكامل تقريبا. وفي أي حال من الأحوال، هناك بالفعل موارد مهمة يسهل لتركيا الوصول إليها. وعلى الرغم من أن الجيش الوطني الليبي يسيطر حاليا على معظم الموارد النفطية، لا تزال حكومة الوفاق الوطني تحوز مصافي التكرير وبعض الاحتياطيات الهيدروكربونية. وعلى نفس المنوال، ربما تدخل ليبيا في حسابات أنقرة باعتبارها حلا محتملا لعزلتها في شرق البحر المتوسط. فلقد أدى اكتشاف ما يحتمل أن تكون احتياطيات ضخمة من الهيدروكربونات في البحر إلى سباق بين دول المنطقة على استخراج تلك الثروات. وفي حين أن مصر وقبرص واليونان وإسرائيل ودول أخرى أبرمت اتفاقات بخصوص تلك المسألة، إلا أن معارضة تركيا لخطط الإدارة القبرصية الرامية للحفر حول الجزيرة أبقت أنقرة معزولة. وتشير الصحيفة التركية إلى أن تركيا من بين تلك الدول المتوسطية التي تعاني من جوع متراكم لتلك المشتقات التي تستنفد قسما كبيرا من الميزانية التركية ولهذا تشعر انها قادرة على انتزاع حصتها من تلك الكعكة المتوسطية بأية وسيلة كانت.

وعلى جبهات أخرى تخوض تركيا حرباً “غازية” ضد الاتحاد الأوروبي، بسبب تنقيبها عن الغاز في السواحل القبرصية. وكان الاتحاد الأوروبي قد هدد في يونيو الماضي بفرض عقوبات على تركيا إذا لم توقف عملياتها “غير الشرعية” للتنقيب عن الغاز قبالة سواحل قبرص، وذلك بعد ساعات على إرسال أنقرة سفينة تنقيب ثانية إلى هناك. وقال القادة الأوروبيون في البيان الختامي لقمتهم إنهم “أعربوا عن أسفهم لأن تركيا لم تستجب بعد للنداءات المتكررة من الاتحاد الأوروبي لوقف مثل هذه الأنشطة”.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك