جون افريك :تطوير الجنوب الجزائري الأداة الحقيقة لانطلاق الاقتصادي المتعثر

رأت مجلة فرنسية أنَّه في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الجزائر بسبب انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014، فإنَّه يجب عليها أن تجعل تطوير جنوب أراضيها لتصبح أداة انطلاقها اقتصادياً، من خلال الانفتاح على غرب إفريقيا عبر مشروع الطريق العابر للصحراء.

ويهدف هذا الطريق منذ إطلاقه في ستينيات القرن الماضي، إلى تعزيز المبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي والساحل، ويتكون من محور رئيس شمال – جنوب ويمتدُّ من الجزائر إلى لاجوس (أكبر مدن نيجيريا وغرب أفريقيا) على 4.000 كلم، ليربط بين شبه منطقة المغرب العربي والساحل، من خلال أربعة فروع تربط بين عاصمتين مغاربيتين “الجزائر وتونس”، وأربع عواصم واقعة جنوب الصحراء (باماكو ونيامي ونجامينا ولاجوس).

وقالت مجلة “جون أفريك” في مقال لها، إنَّه “منذ 22 فبراير، كتبت الجزائر صفحة جديدة في تاريخها، متحملة نصيبها من المفارقة، فمن ناحية، لتشكيل حدث جديد في تمزُّق كامل مع تاريخها السياسي الحديث؛ وأيضاً تسجيل جزء من استمرارية نضالها من أجل الاستقلال”.

 وتعيش الجزائر، منذ 22 فبراير/شباط الماضي، على وقع مسيرات شعبية، دفعت في 2 أبريل/ نيسان الماضي، أطاحت بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة (82 عاماً)، بعد 20 عاماً في الحكم. ومنذ تلك الأحداث، تنبَّأ صندوق النقد الدولي بتوقعات مظلمة هذه السنة، متأثراً بتواصل الأزمة الاقتصادية.

وأعاد الصندوق مؤخراً، ضبط توقعاته الخاصة بالنمو لسنة 2019، حيث تحدث عن نسبة 2.3%، مقابل 2.7% في توقعات شهر أكتوبر/ تشرين الأول، على أن ينخفض النمو إلى 1.8% سنة 2020. وحسب الصندوق، فإنَّ التضخم في الجزائر الذي ظل سنة 2018 محصوراً في حدود 4.3%، سيرتفع إلى 5.6% سنة 2019 وإلى 6.7% سنة 2020.

طريق الصحراء

وأضافت المجلة: “أثناء التفاوض على اتفاقيات إيفيان (إنهاء 132 عاماً من الاحتلال الفرنسي للجزائر  1962)، اتخذ كريم بلقاسم، وزير الخارجية آنذاك، موقفاً متصلباً بشأن مسألة الجنوب، من خلال عدم التوصل لاتفاق بشأن تلبية رغبة الوفد الفرنسي، الذي أراد فصل الصحراء عن شمال الجزائر”.

وأشارت إلى أنَّ هذه الصحراء اليوم، هي التي تجعل الجزائر عاشر أكبر دولة على كوكب الأرض وتسمح لها بالوصول إلى قلب منطقة الساحل والصحراء.

وأكَّدت أنَّه “في عام 1964، وبمبادرة من الأمم المتحدة، اجتمعت العديد من البلدان، بما في ذلك الجزائر ومالي والنيجر، للتفكير في بناء طريق عبر الصحراء يصل طوله إلى 4600 كم يربط الجزائر بمدينة لاجوس، النيجيرية. وتم افتتاح أول امتداد – 350 كم – في عام 1973 بين القليعة (المنيعة حالياً) وعين صالح”.

ولفتت “جون أفريك” إلى أنَّه بعد نصف قرن تقريبًا، أوشك هذا المشروع على الانتهاء، وأنَّه يمر الجزء الجزائري من الطريق السريع العابر للصحراء على خمس ولايات وأحد عشر منطقة سكينة، ويسمح بربط شمال البلاد، حيث توجد المدن الكبرى والمناطق الصناعية، بالجنوب، الذي يتمُّ استخراج الهيدروكربونات منه، كما أنَّ الجزء الشمالي، من المقرر أن يصبح مركز الموانئ الجديد في تشيرشل البوابة إلى المنطقة العابرة للصحراء.

مشروع في الإنعاش

ولفتت المجلة إلى أنَّه في الوقت الحالي، يبدو أنَّ الأعمال متوقفة، رغم أنَّه المشروع الأكثر إستراتيجية في تاريخ الجزائر المستقلة منذ تأميم المواد الهيدروكربونية في عام 1971، “لكن للأسف، لا تزال البنى التحتية للموانئ هي الحلقات الضعيفة للاستثمارات العامة”.

وبيَّنت أنَّ هذا يُؤثر بشكل كبير على تكاليف الخدمات اللوجستية، وبالتالي على التبادلات بين الجزائر وشركائها، فعلى سبيل المقارنة، عندما يشدُّ ميناء طنجة المتوسط في المغرب مائتين وخمسين حركة في اليوم، فإن العدد في ميناء الجزائر لا يتجاوز اثني عشر حركة.

وتابعت المجلة الفرنسية “تدَّعي الجزائر أنها حشدت بالفعل 3 مليارات دولار لجزء من المنطقة العابرة للصحراء، ومع ذلك، وفقاً لدوائر معينة من المُطلعين، لا يزال هذا المشروع مجهولًا، ربما لأنَّه على مدار ثلاثين عامًا، ليس لدى الجزائر رؤية واضحة ونهائية للتنمية الجيوإستراتيجية والاقتصادية لأراضيها”.

وأضافت: “إذا كان تشبع الشريط الساحلي غالبًا ما يتم التنديد به، فلن تتم محاولة جادة لإعادة التوازن إلى الجنوب، فمشاريع المدن الجديدة مثل تلك الموجودة في بلدية بوغزول أو حاسي مسعود شبه متوقفة تقريباً، بعد أن ابتلعت ملايين الدولارات في الدراسات وبداية الأعمال”.

ورأت “جون أفريك” أنَّه في الأساس، يبدو أنَّ النظام خلط حتى الآن بين سياسة التوازن الإقليمي والتخطيط الإقليمي (..) يستجيب المرء للرغبة في الحفاظ على السلم الاجتماعي من خلال التوزيع العادل إلى حد ما للإيرادات، والآخر في البحث عن الكفاءة من أجل تنمية البلد، لأنَّ المركز الجغرافي الحقيقي للبلاد ليس في التل أو المرتفعات، ولكن في عين صالح، وتيديكيلت”.

أهمية غرب إفريقيا

 وشدَّدت على أنَّه يجب أن تجعل الجزائر أراضيها وتنميتها أداة انطلاقها الاقتصادي، فقد أصبح جنوب الجزائر، بفضل ولايتي بسكرة والوادي، حديقة الخضروات في البلاد، ومن خلال استخدام الرشيد لطبقة المياه الجوفية ومساحتها البالغة 50 ألف مليار متر مكعب، يمكن أن تصبح الولايات التي تعبرها الصحراء الكبرى أقطاب صناعية زراعية من الدرجة الأولى، وبالتالي تجذب الاستثمار والعمالة.

وأضافت: “بعد ذلك، يمكن أن تأخذ المنتجات من هذه الولايات الطريق من الشمال ولكن أيضاً من الجنوب، وتصل إلى سوق غرب إفريقيا، والذي سيصبح قريباً 400 مليون مستهلك، وأخيراً البدء في تحريك الصادرات غير الهيدروكربونية”.

ولفتت المجلة إلى أنَّه يجب أن تصبح مدينة تامنراست بوابة لسوق الصحراء الكبرى العملاقة الذي بدأ العالم يراقبه باهتمام، وفي ضوء اكتمال الطريق العابر للصحراء، سيتعين أن يكون لهذه المدينة ميناء كبير لتخزين البضائع وإعادة الشحن وتخليص البضائع. ولكن فيما وراء الجمع بين تعدُّد الوسائط، فإنَّ تطوير المدينة، من خلال إنشاء منطقة اقتصادية خاصة، سيتعيَّن تحقيقه حتى تصبح تامنراست المدينة الصناعية الكبرى في الصحراء.

وخلصت “جون أفريك” إلى أنَّه يجب الانتهاء من مشروع مركز الميناء الجديد، وبالارتباط مع دول جنوب طريق الصحراء، ستتمكَّن الجزائر من اتخاذ موقعها الجغرافي الاستراتيجي الفريد، وفي وسط المغرب العربي الكبير وعلى مُفترق طرق أوروبا وأفريقيا والبحر الأبيض المتوسط​​، قاعدة ثورتها الاقتصادية.

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك