في ذكرى #11سبتمبر.. يوم انعطف التاريخ

الرياض – معاوية الأنصاري

قليلة تلك الشواهد أو الأحداث التاريخية التي فرضت نفسها طوال تاريخ الحضارة البشرية، وتمكنت لشدة وقعها أو لفظاعة أحداثها من نحت اسمها، وحجز مكانه بدلاً من الأرقام المجردة التي تعارف الناس على حساب أيامهم بها.

“الحرب العالمية الأولى”، “الكساد الكبير”، “الحرب العالمية الثانية”، “انهيار جدار برلين”… نماذج لحوادث ضخام، لا يجمع بينها سوى وصف المفاصلة التاريخية، واختلاف ما قبلها عمّا بعدها، إضافة لامتداد أثرها إلى اليوم، رغم مضي أزمنة طويلة على نشأتها الأولى.

الحادي عشر من سبتمبر يوشك أن يلتحق بتلك الأحداث، هذا إن لم يفعل بعد، فلا شيء من عالم ما قبل تلك الصبيحة المشؤومة بقي على حاله.. مهما نأت به الدار، وشطّ به المزار بعيداً عن كل مظاهر الأبراج الشاهقة والصباحات الصاخبة في مانهاتن وشقيقاتها.

لم تمض ساعات بعد الحادثة، إلا وبدأ العالم في شحذ الهمم، واستدعاء الأيام والثارات، وأخذت لغة العولمة – وكان صيتها يملأ الآفاق حينها – تتوارى شيئاً فشيئاً عن الأسماع، وحلّ بدلاً عنها مقولة جورج دبليو بوش الشهيرة “من لم يكن معنا فهو ضدنا”، وتخلى القوم عن الأقنعة، وزادت فلتات الألسنة، وأبدى لحن القول ما أخفته لسنوات السياسة وحسن الكياسة.

شنت الولايات المتحدة الأميركية حربها الانتقامية على أفغانستان، فلم تبق حجراً على آخر، وطاردت كل من اشتبهت بصلته بأحداث سبتمبر، فغيرت أنظمة التنقل، وشددت إجراءاته، وقيدت حريات الإقامة والدراسة والعمل، وأخضعتها جميعاً لأنظمة أمنية صارمة، علّها تسد بذلك الفجوة التي تسلل منها الإرهاب نحو أكبر مدنها وأكثرها أهمية نيويورك.

بعد قرابة العقدين، لا يبدو أن ثمة تغيراً طرأ على مشهد التطرف والإرهاب، بل العكس تماماً، فها هو وريث “القاعدة” “داعش”، يجتاح الحدود، ويبعث الرسل والجنود، على مرأى ومسمع ذوي البأس والجبروت، في مشهد سوريالي جاء نقيض المقصود؛ ربما نتيجة للمقاربة العلاجية الأميركية التي منحت التطرف لقاحاً جعله أشد شراسة وأكثر حدة، بعد أن وجد في خطاب المظلومية فرصة اهتبلها للترويج لأنشطته العدائية كما يقول خبراء في هذا الشأن.

بينما انعكس تأثير تلك المقاربة على ملايين المبتعثين والسياح والمتطببين، إضافة للمقيمين هناك؛ وتسببت في إلغاء بعثات العديد منهم، وتعثر معاملاتهم، وتضرر مصالحهم، بعد شيوع ظاهرة ما يسمى بـ”الإسلاموفوبيا” أو الخوف من الإسلام، وربطه بشكل مباشر مع المصطلح سيئ الصيت “الإرهاب”.

ومع مرور كل هذا الوقت، وبذل جهود دبلوماسية ومدنية كبيرة، بدأت تتخفف تلك المظاهر من حدتها، إلا أن المخيال الجمعي لايزال يحتفظ بذاكرة الاعتداء الإرهابي على برجي التجارة، وتتجدد تلك الذكرى المريرة، وتجتر معها كل الحمولة الفكرية والسياسية السابقة مع حدوث أي عمل إرهابي جديد.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك