“رئاسية” الجزائر على المحك …بين مقاطعة الإسلاميين وغضب الشارع..

خلال الأيام الماضية، بدأ زعماء الأحزاب وشخصيات سياسية من مشارب مختلفة يتوافدون على مقر السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر لتقديم أوراق ترشحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة.

في 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تقديم 130 شخصية ملف ترشحها للانتخابات الرئاسية، المقررة 12 ديسمبر/كانون الأول المقبل، متوقعة أن يتضاعف العدد قبل نهاية آجال إيداع الترشيحات في 25 أكتوبر/تشرين الأول.

وبينما بدأت بعض الأحزاب نقاش مسألة الترشح من عدمها داخل مؤسساتها، لا تزال التظاهرات الشعبية مستمرة في الشارع أسبوعيا مطالبة بإزاحة رموز النظام من إدارة المرحلة الجديدة في البلاد.

ارتفعت شعارات مطالبة بإقالة باقي الباءات الأربع في مقدمتهم الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي، بعد استقالة رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، ورئيس البرلمان معاذ بو شارب.

فهل يمكن القول الآن، أن الوضع السياسي  في الجزائر قد خرج من حالة الجمود التي عاشتها البلاد منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 4 أبريل/نيسان 2019؟

القطار يتحرك

المكلف بالإعلام على مستوى السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات علي ذراع، قال: إن السلطة تسجل يوميا، قدوم 10 إلى 15 شخصية راغبة في الدخول إلى الاستحقاقات المقبلة.

وأعلن التجمّع الوطني الديمقراطي (ثاني أكبر الأحزاب من حيث عدد نواب البرلمان والمجالس المحلية) مشاركته بالانتخابات الرئاسية عبر ترشيحه الأمين العام “المؤقت” عز الدين ميهوبي، قاطعا بذلك أحد أبرز تقاليد الحزب منذ نشأته عام  1997، والذي يوصف بحزب السلطة الاحتياطي، رفقة حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم.

كان التجمع أول حزب يرشح بوتفليقة لعهدة خامسة خلال شهر فبراير/شباط الماضي، على لسان أمينه العام المسجون أحمد أويحيى، كما أعلن التحالف الوطني الجمهوري ترشيحه بلقاسم ساحلي، أبرز مناصري الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

وفي اجتماع اللجنة المركزية لحزب “طلائع الحريات” أعلى هيئة قيادية، خرج القرار رسميا بترشيح زعيمه، رئيس الوزراء الأسبق علي بن فليس.

ابن فليس فور تزكيته قال في مؤتمر صحفي: “باتخاذكم قرار المشاركة في الاقتراع الرئاسي المقبل فإنكم قد اخترتم السير في صميم خط مشروعنا السياسي، القرار في مستوى رهانات وتحديات المرحلة الراهنة، يضع المصلحة العليا للوطن فوق المصالح الحزبية”.

كما أعلن رئيس الوزراء الجزائري الأسبق عبد المجيد تبون (74 عاما)، عزمه خوض السباق، في خطوة خلفت جدلا بدعوى أنه محسوب على النظام السابق. ووجه تبون يوم 26 أيلول/سبتمبر الماضي، رسالة إلى رئيس السلطة العليا للانتخابات محمد شرفي يعلن فيها نيته الترشح للانتخابات، وقام بسحب استمارات التوكيلات لدخول السباق.

وقال تبون، لدى خروجه من مقر الهيئة للصحفيين، إنه قرر دخول هذا السباق ولديه برنامج يتركز على تطهير الاقتصاد و”أخلقة” الحياة السياسية.

تبون قدّم نفسه على أنه ضحية للممارسات التي أدت إلى انتفاضة 22 فبراير/ شباط الماضي، التي أطاحت ببوتفليقة، بعد إقالته من رئاسة الوزراء صيف العام 2017 على خلفية مواجهة مع رجال الأعمال.

رفض مستميت

في خضم الإقبال الكثيف على الترشح والدعوات لتسجيل الناخبين للمشاركة في الموعد الانتخابي، جاء موقف اثنين من أكبر الحركات الإسلامية في الجزائر مفاجئا لكل التوقعات، حيث توافق ثنائي حركة مجتمع السلم (حمس)، وجبهة العدالة والتنمية على موقف موحد بعدم التقدم لسباق الرئاسيات.

وقال رئيس أكبر الأحزاب المعارضة البرلمانية في الجزائر عبد الرزاق المقري: “حزبنا مستقل في قراراته، ولا يمكن استقطابه من أي جهة، وهو يعمل من أجل إحداث إجماع وطني يخدم مصلحة الوطن وتجاوز المصالح الشخصية”.

ورغم تقديم الحركة لمرشح للانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 4 أبريل /نيسان الماضي، وتم تأجيلها ثم إلغاءها بعد استقالة بوتفليقة، إلا أنّ الحركة قررت مقاطعة الانتخابات المقبلة.

مقري أكد أن فرص التحالف لتقديم مرشح للانتخابات الرئاسية القادمة غير متاحة حاليا في الجزائر، قائلا: “المنظومة القانونية والمؤسسات والهيئات المتعلقة بالعملية الانتخابية لم يحدث تطور يُطمئن بأن تكون الانتخابات تنافسية حقيقية”.

وأضاف مقري في مؤتمر صحفي: أن مجلس الشورى الوطني اجتمع وعرض وثيقة تضمنت الأسس التي اعتمد عليها الحزب في بلورة الرأي، مشيرا إلى أن فرصة الانتقال الديمقراطي لا تزال بعيدة، بحكم الثغرات التي تغزو المنظومة القانونية.

وأوضح المقري: أن الأحزاب طالبت بهيئة وطنية لتنظيم الانتخابات، مستقلة عن الإدارة غير أن ما حصل هو استحداث هيئة مستقلة عن الأحزاب بحجة أن الأحزاب لا علاقة لها بالهيئة وهو ما يسهل استمرار التزوير.

من جهته، دعا رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله إلى ضرورة منع ترشح كل من كان سببا في مآسي الشعب الجزائري، مؤكدا أن الحزب “لن يشارك في الانتخابات ما لم تتوفر مطالب الحراك على أرض الواقع”.

الجيش يصعّد

في العاصمة الجزائرية، لم تمنع الحواجز الأمنية ولا الانتشار الأمني الكثيف في وسطها، المتظاهرين من المشاركة بقوة في تظاهرة الجمعة رقم 32. الحشود خرجت في العديد من المدن للتعبير عن رفض الانتخابات الرئاسية المقررة في 12 كانون الأول/ديسمبر.

لا زال الجزائريون يشككون في المسار الذي اختارته السلطة للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ مدة، إلا أن قيادة المؤسسة العسكرية لازلت تصر على دعم المسار رغم حجم المعارضة ما جعلها في مرمى التشكيك من دورها في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الجزائر.

رئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح، حذر من “عرقلة” الانتخابات الرئاسية، مهددا “من يقف حاجزا أمام هذا الحل الدستوري بالجزاء الرادع”. كما جاء في خطاب جديد بثه التلفزيون يوم 26 سبتمبر /أيلول الماضي.

وقال قايد صالح: “ستتخذ القيادة العليا للجيش في القريب العاجل، كافة الإجراءات اللازمة التي تمكن المواطنين من ممارسة حقهم الانتخابي، من يقف حاجزا أمام هذا الحل الدستوري والمطلب الشعبي ويعمل على عرقلة هذا المسعى الوطني الحيوي بأي شكل من الأشكال، سيلقى جزاءه العادل والصارم بل الرادع طبقا للقانون”.

وأكد صالح قبل يومين فقط: أن “قيادة الجيش ليست لديها طموحات سياسية سوى خدمة الجزائر وشعبها”، وهو نفس الموقف الذي يروج له رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات محمد شرفي بقوله: “السلطة في يد الشعب اليوم بفضل المؤسسة العسكرية التي تعهدت باحترام إرادته”.

ورغم ذلك لا تزال الريبة والشك في مستقبل العملية السياسية في نجاح هذه التجربة الجديدة، حيث يوجد تخوف من وجود أسماء مدعومة من المؤسسة العسكرية، مثل الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون، ورئيس الحكومة علي بن فليس، وحتى الوزير السابق عز الدين ميهوبي.

إلا أن عبد القادر بن قرينة مرشح حركة البناء الوطني الإسلامية (خرجت من عباءة حركة حمس عام 2012) ينفي تلك الشكوك بالقول: “خطابات وتأكيدات قيادة الجيش واضحة وصريحة، ونحن نثق في تعهدات المؤسسة العسكرية لأنها جسدت كافة التزاماتها السابقة مع الحراك”.

وأكد ابن قرينة في تصريح للجزيرة: أن “الممارسات والذهنيات وطرق التفكير السابقة كلها سقطت، وبالتالي لا مكان للوجوه القديمة والمستهلكة في الاستحقاق القادم”.

وأضاف: “نعتقد أن الرئيس القادم للجزائر سيكون شخصية نظيفة من جيل الاستقلال لم تتلوث بمفاسد الماضي، ولذلك فإن كل الأسماء المرشحة باسم الجيش ستسقطها الإرادة الشعبية عن طريق الصندوق”.

زياد مرغني : الاستقلال

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك