أحياء البيضاء العتيقة … حكاية اسماء الاحياء

بقلم حميد الفيلالي

 

“كريكوار” بدرب السلطان

كان “كريكوار” أو «كريكوان»، الحي التابع لعمالة الفداء مرس السلطان، في منتصف القرن الماضي منطقة فلاحية، تنتشر فيها تربية الغنم والماعز والأبقار.
وكانت هذه المنطقة معروفة بخصوبة أرضها ووجود مياه جوفية كبيرة أسالت لعاب المعمرين الفرنسيين لإقامة مزارع شاسعة.
وكانت «مدام كريكوار» (التي أطلق في ما بعد اسمها على الحي)، من بين أشهر المعمرين الفرنسيين، الذين عاشوا في المنطقة، إذ عرفت بحبها للمنطقة وعشقها الاختلاط بالأسر المغربية، حسب سكان الحي القدماء.
في 1947 أخذت «مدام كريكوار» على عاتقها بناء مدرسة ابتدائية في المنطقة، أطلق عليها اسم «لكريت»، والتي كان لها الفضل الكبير في إنقاذ أبناء الفداء درب السلطان من الأمية.

“بوسبير” بالمدينة القديمة

«فريو بروسبير»، هو مهندس فرنسي من مارسيليا وصل إلى المغرب بداية الثلاثينات من القرن الماضي، وزار عددا من الأحياء القليلة الموجودة حينها بالبيضاء، وعلم أنه لا توجد أماكن خاصة بالمومسات وبائعات الهوى فشيد عددا من المساكن التي تؤويهن.
بعد سنوات قليلة سيصبح من أغنى أغنياء الدار البيضاء، بل سيحمل الحي اسمه بالمدينة القديمة. وبالبيضاء ليس هناك فقط حي واحد الذي يسمى بوسبير بل اثنان الأول بالمدينة القدمية والثاني قرب قيسارية الحفاري بدرب السلطان.
درب “ليهودي”

يعتقد البعض أن درب ليهودي بدرب السلطان هو حي خاص باليهود مثل الملاح الموجود بالمدينة القديمة بالبيضاء وعدد من المدن المغربية التي عرفت وجودا كبيرا لليهود، لكن الحقيقة أن الحي يحمل اسم «مارتيني أوديل».
ويعود هذا الاسم إلى عائلة بيير أوغست مارتيني، المنعش العقاري الكبير الذي ارتبط اسمه بأحياء الأحباس قرب القصر الملكي أما أوديل فهو اسم نجله، الذي اشتغل هو الآخر في عالم العقار بالبيضاء.
وعرف عن أوديل مارتيني محاربته للاستعمار ووقوفه مع المغاربة ضد الفرنسيين إبان فترة الحماية. ولحب بيير أوغست مارتيني وأوديل مارتيني للمغرب وللدار البيضاء على وجه الخصوص قررا أن يدفنا بالمقبرة المسيحية قرب حي العنق على كورنيش المدينة.

درب “الجران”

وسط المدينة القديمة قرب بوسبير يوجد درب «الجران»، ورغم غرابة الاسم إلا أن بعض السكان القدامى للحي يتذكرون وجود مستنقع «ضاية» كبيرة، قرب الحي كانت مملوءة بالضفادع وكان نقيقها يصل الأسماع.
ورغم البناء الكثير الذي ردم «الضاية» إلا أن الاسم ظل لصيقا بالدرب الشهير وسط المدينة القديمة.
درب الفقراء

هناك تأويلان وراء تسمية الحي بالفقراء، الأول أن البيضاء عرفت نهاية الأربعينات عملية نزوح جماعي من منطقتي دكالة والشاوية، وكان من بين النازحين «الفقرا» (بضم الفاء وتسكين القاف)، أي الفقهاء، الذين سكنوا بالمنطقة التي يطلق عليها الآن درب الفقراء. أما التفسير الثاني فهو أن الحي سمي درب الفقراء لأن الذين كانوا يعيشون به فقراء، كما غالبية سكان البيضاء خلال تلك الفترة.
روش نوار

خلال فترة العشرينات، اختارت إحدى العائلات الفرنسية الابتعاد عن وسط المدينة لبناء كازينو، فاختارت هذه المنطقة الساحلية، وعندما أرادت إطلاق الاسم كانت تحتار لأن المنطقة كانت خالية تماما من السكان وعندما كانت ترغب في نعتها كانت تقول «الصخور السوداء» التي كانتا ظاهرة من الشاطئ إلى حدود الخمسينات من القرن الماضي.
بعد سنوات سيصبح هذا الحي من أرقى أحياء العاصمة الاقتصادية، بل أصبح يتوفر على كنيسة خاصة به ومدارس فرنسية، بل ومنارة.
خلال فترة الاستعمار توفر الحي على مدرستين من الطراز العالي هما كلود بيرنار والمحطة التي تحولت في ما بعد إلى الإمام مالك.

كوزيمار

سنة 1929 رأى معمل تكرير السكر النور بالبيضاء تحت اسم «كوزيما» من طرف شركة سان لويس مارسيليا، وحول المصنع بدأ العمال، القادمون من الشاوية ودكالة في تشييد منازل، ليتحول الحي إلى «كوزيما».
في 1967 ستصبح الدولة المغربية مالكة لخمسين في المائة من رأسمال الشركة الفرنسية ليصبح الاسم «كوزيمار».

“السكويلة”

سمي كاريان السكويلة بمقاطعة سيدي مومن بالبيضاء، على اسم مدرسة يهودية كانت توجد بالمنطقة، ويرجع تاريخ نشأة هذا الدوار إلى 1930.
والسكويلة تعني «مدرسة» باللغة الإسبانية، وهي مدرسة خاصة باليهود، قبل أن تتحول بعد ذلك إلى مقر لإحدى الشركات الخاصة. دوار السكويلة كان في الأصل واحدا من الوجهات التي قصدها عدد من المغاربة القاطنين بالعالم القروي الذين أضنتهم سنوات متلاحقة من الجفاف.
الأسر المغربية الجديدة انضمت إلى أسر مغربية أخرى التي كانت تعيش جنبا إلى جنب مع بعض الأسر الإسبانية التي كانت تنشط في مجال الفلاحة، وتربية الأنعام والحيوانات.

درب غلف

يعود الاسم إلى عائلة «غلف» التي كانت تمتلك أراضي شاسعة تستغلها في الفلاحة وتربية الماشية، قبل أن يتحول الحي إلى دور صفيح وبعده «جوطية» الأشهر في العالم.
فاقت شهرته كل الآفاق، ليس لكبره أو لجودة ما يعرض فيه، بل لأنه يقض مضاجع كبريات شركات المعلوميات في العالم. فخلف الأكواخ المصنوعة من القصدير والأخشاب تربض سوق تجارية تدر الملايين، ومقرصنون وصفهم أكثر من تقرير بعباقرة المعلومات. القناة الفرنسية «تي في5» أعدت وثائقياً حول السوق، وأطلقت على العاملين فيه «مهندسو درب غلف»، رغم أن أغلب الشباب الممارسين فيه عاطلون عن العمل ومن بينهم مهندسون بشهادات عليا، اختاروا مهنة الهاكرز والتشفير ويقدمون خدماتهم لزبائنهم بأثمان بخسة.

ارتباط المدينة بأوليائها الصالحين

سيدي بليوط

سيدي أبو الليوث أو سيدي عمر بن هارون المديوني الذي يوجد ضريحه بقلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء عاش راعيا للأغنام والماعز، كما أنه كان يقتات على ألبانها، وتحكي الرواية أنه شيد كوخا من القش ليتعبد بداخله .
يعتبر سيدي بليوط من أقدم دفيني العاصمة الاقتصادية إلى جانب سيدي علال القرواني الذي لا يبعده إلا ببضع أمتار.
اشتهر سيدي عمر بن هارون المديوني أيضاً بترويضه للأسود ومرافقته لهم، حيث كان لا يظهر للعامة إلا وهو رفقة أسده.
اسمه الأصلي هو أبوحفص عمر بن هارون وأنه مديوني الأصل، ووفاته كانت في 595هـجرية، وفي هذا القرن كان معاصرا للشيخ مولاي بوشعيب السارية الصنهاجي دفين أزمور، والشيخ سيدي أبي العباس السبتي دفين مراكش، والشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش الادريسي دفين جبل العلم، والشيخ مولاي بوعزة بن عبدالرحمن دفين قبيلة زمور.

سيدي محمد مرس السلطان

كان أحد مساعدي السلطان مولاي الحسن الأول، وكان يتولى مهمة الإشراف على الثكنة العسكرية للدار البيضاء لكنه سرعان ما زهد في المنصب وباع ممتلكاته وقصد مدينة فاس لتلقي العلوم الدينية في جامع القرويين، وتوسم فيه معلموه الشأن الكبير، ثم عاد أدراجه صوب البيضاء، حيث سخر ثروته لخدمة الفقراء واليتامى، وعرف بقدرته على علاج القلق النفسي، حتى في حالاته المستعصية.
يوجد قبره بحي المستشفيات قريبا من المستشفى الجامعي ابن رشد.

سيدي علال القرواني

يقع ضريح سيدي علال القيرواني بالسقالة أمام ميناء البيضاء. وإذا كان سيدي عبد الرحمان بن الجيلالي الذي يوجد ضريحه على صخرة بشاطئ عين الذئاب من اصل عراقي، فسيدي علال القيرواني من اصل تونسي من مدينة القيروان.
يرجع تاريخ قدوم سيدي علال القيرواني الى المدينة الي القرن الرابع عشر الميلادي.
ويقول الباحث الفرنسي برتيمي أن الولي علال القيرواني تزوج امرأة تقطن بأنفا تسمى «للا بيضاء» توفيت قبله وبنى لها ضريحا كان مصبوغا بالابيض وسميت المدينة على هذا الضريح.
تكلف ببناء ضريحه الحالي الموجود بالسقالة السلطان مولاي عبد الله.

سيدي عبد الرحمان

فوق صخرة كبيرة على شاطئ عين الذئاب بالدار البيضاء، المطل على المحيط الأطلسي، تعتلي قبة خضراء محاطة ببعض المحلات السكنية والتجارية، تعرف لدى البيضاويين وسكان العاصمة الاقتصادية، بضريح سيدي عبد الرحمان «مول المجمر».
وحسب مؤلف «الأولياء في المغرب» الباحث محمد جنبوبي، فسيدي عبد الرحمان يتحدر من العاصمة العراقية بغداد، وعاش في القرن السادس الهجري، كما يحكى أنه من معاصري شيوخ التصوف الأوائل في المغرب، من بينهم أبو شعيب السارية ومولاي عبد الله أمغار وعبد الجليل بن ويحلان وغيرهم.
قبل أن يستقر بالمكان الذي يوجد فيه قبره اليوم، كان سيدي عبد الرحمان، كثير التنقل بين عدة أماكن من الساحل الممتد بين عين السبع وعين الذئاب، التي كانت عبارة عن غابة متصلة، متعددة الأشجار وممتلئة بالحيوانات، وكان يتنقل حافي القدمين، تتدلى خلف ظهره ضفيرة من شعر رأسه حسب ما جاء في كتاب «شعائر وأسرار أضرحة الدار البيضاء» للدكتور مصطفى أخميس

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك