القصة من وحي الخيال..الواقعي.

ولجت إلى المقهى المفتوح على الهواء من كل جانب، تحمل حقيبة سفر صغيرة و تحتضن كتابا، اختارت طاولة بعيدة عن الحشد وضعت حقيبتها على كرسي فارغ و ارتمت على الآخر تقابل الشارع وتصد عن الجميع.
فتحت الكتاب وأخذت قلم رصاص بين أصابعها وانهمكت في متابعة النص الذي بدأته في القطار..
جاء الناذل فرفعت رأسها وقالت ؛ قهوة سوداء لو سمحت !.
سألها باقتضاب : في كأس أم في فجنان؟
أجابت باقتضاب كذلك: فنجان.
عادة لا يسألون فكل أنثى تحب القهوة في فنجان، لكن يبدو أن لديه شكوك..
هندامها البسيط غير المرتب و نظاراتها التي تخفي نصف وجهها و تحجب عينيها الواسعتين اتساع العالم، و شعرها الأشعت الذي يغطي رأسها المسكون بالأسئلة، كل ذلك قد يكون أوحى له أنها ليست كأي أنثى، وأنها لم تعد تهتم بكل تلك التفاصيل..

رفعت رأسها عن الكتاب، وضعت القلم و تناولت فنجانها، وقربته من أنفها، أغلقت عينيها وأشمت عبير القهوة كأنه رحيق الحياة، لم تستطع يوما التخلص من هذه العادة..
ارتشفت رشفة من قهوتها وهي تتأمل الشارع في شرود، كان الضجيج يعم الفضاء أصوات محركات السيارات، أحاديث المارة، و نقاشات المتواجدين بالمقهى، كانوا جميعا ذكور، لاحظت ذلك حين تجاوزت كل تلك الطاولات بحثا عن مكان منزو وفارغ..
لم تلتفت إليهم ولم تعر وجودهم أي اهتمام، لقد أدركت أنها عصية على هذه المخلوقات السطحية الضعيفة، ليس هناك رجل يستطيع تحمل امرأة عنيدة قارئة..
لطالما كانوا يحومون حولها، لطالما اجتذبهم جمالها وأسرتهم أنوثتها الصارخة، إنها مثل قنديل مشع وسط الظلام، يسعى إليه الناموس بسعادة ثم ما يكاد يحترق من وهج الإضاءة وحرارة المصباح..

في هذه اللحظة تذكرت لقاء رسميا جمعها برجل مثقف ومسؤول واثق من نفسه، كان يفترض باللقاء أن يدوم لعشرين دقيقة، يأخذها من وقته الثمين كما أخبرها حين وافق على اللقاء.. لكن الحديث طال و تحول الأمر إلى مناظرة استمرت ثلاث ساعات و كان يمكن أن تستمر إلى الأبد ربما، لولا أنها وقفت بهدوء واعتذرت بسبب التزام مسبق، طلب منها أن تظل لدقيقة أخرى ، جلست و هي تنظر إليه، قال دون مقدمات ؛ هل تقبلين الزواج بي ؟

لم تكن تعلم أنها مازلت تحافظ على بقايا خجل أنثوي بريء، ارتفعت الحرارة فجأة في المكتب، احمرت وجنتاها و طأطأت رأسها..
يا للإحراج !
سكتت لبرهة، استجمعت كل ما ظل في رصيدها من جرأة ورفعت رأسها، نظرت إليه وأجابت بثقة أنها لم تعد تفكر في الارتباط، وأنها تتمنى أن يستوعب أن الأمر لا يتعلق به هو تحديدا، لكنه يخصها هي.
فهي ببساطة لم تعد تملك متسعا من الصبر ولا قدرة لها على التأقلم مع وضع جديد غير الذي تعيشه الآن بكل سعادة وأريحية .
في ذلك اليوم قررت أن تغلق ذلك الباب إلى الأبد، بعد أن غادرت اللقاء أرسلت رسالة وداع أخيرة على الواتساب لرجل ظلت تربطها به شعرة معاوية.
ب.س :
القصة من وحي الخيال..الواقعي.

الأستاذة زينب بن حمو

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك