ما تخفيه أزمة التصريحات العابرة بين تركيا والجزائر

وجدت فرنسا نفسها فجأة في قلب الأزمة المحدودة التي اندلعت بين تركيا والجزائر حول الاستعمار الفرنسي، وما يقلق باريس هو ما وراء الأزمة التي توحي بعزم القيادة الجزائرية الجديدة تهميش الدور الفرنسي في شمال إفريقيا سياسيا واقتصاديا.وشهدت العلاقات الجزائرية-التركية تطورا مذهلا خلال الاسابيع القليلة، فبعدما سيطر غياب الثقة في العلاقات الثنائية، بدأ البلدان التنسيق السياسي في الملف الليبي قبل وبعد قمة برلين، حيث وجد كل بلد في الآخر خير مساند لمواجهة الحلف الثلاثي المصري-الإماراتي-السعودي والدور الفرنسي في الأزمة الليبية.وتعدى التنسيق السياسي بين البلدين الى تطور العلاقات الاقتصادية بالاتفاق حول التبادل التجاري الحر بعد زيارة الرئيس طيب رجب أردوغان منذ أيام الى الجزائر ووضع أسس علاقات جديدة مبنية على التعاون والتكاثف الاقتصادي والسياسي، ولفهم أهمية العلاقات، فقد كان الرئيس عبد المجيد تبون شخصيا في وداع أردوغان في المطار الاثنين الماضي.وفي تصرف غير مقبول دبلوماسيا، كشف أردوغان مباحثات جرت بينه وبين نظيره الجزائري عبد المجيد تبون الذي أخبره بنسبة القتلى الجزائريين التي فاقت خمسة ملايين في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وأضاف ”الرئيس تبون ينظر إلى فرنسا بطريقة مختلفة تماما عمن كان قبله”.ويعد ما كشفه أردوغان معيبا لأن الحوارات بين المسؤولين تبقى سرا وقد يجري الكشف عنها بعد سنوات طويلة في المذكرات، وهو ما جعل وزارة الخارجية الجزائرية ترد ببيان أمس السبت تؤكد فيه” فوجئت الجزائر بتصريح أدلى به رئيس جمهورية تركيا، السيد رجب طيب أردوغان، نسب فيه إلى السيد رئيس الجمهورية حديثا أخرج عن سياقه حول قضية تتعلق بتاريخ الجزائر”. وأوضح ذات المصدر “وبداعي التوضيح، تشدد الجزائر على أن المسائل المعقدة المتعلقة بالذاكرة الوطنية التي لها قدسية خاصة عند الشعب الجزائري، هي مسائل جد حساسة، لا تساهم مثل هذه التصريحات في الجهود التي تبذلها الجزائر وفرنسا لحلها”.  وكتبت جريدة ألجي 24 نيت الناطقة بالفرنسية أن تركيا رغبت بتوريط الجزائر في صراعها مع فرنسا بحكم أن الأخيرة نددت بإبادة تركيا للأرمن.ومطالب الجزائر للاستعمار الفرنسي والاختلاف حول أرقام الجزائريين الشهداء لا يعد جديدا، فهناك جدل دائم بين البلدين، والجديد هو ما وراء الكشف عن هذه التصريحات وهي التي تقلق السلطات الفرنسية.وتدرك الجزائر أن تحرك القيادة العسكرية في البلاد لعزل عبد العزيز بوتفليقة واعتقال محيطه لم يكن فقط تلبية لمطالب الحراك الشعبي وإنما لمواجهة فرنسا التي تغلغلت في الإدارة الجزائرية إبان حقبة الرئيس المخلوع، وسمحت للمسؤولين حينئذ بتهريب مليارات الدولارات الى فرنسا.وتدرك سلطات باريس أن القيادة الجزائرية الجديدة لا ترى بعين الود لدور فرنسا، وستترجم رؤيتها عبر تهميش فرنسا في الصفقات الاقتصادية والتنسيق السياسي والعسكري لصالح دول أوروبية أخرى مثل إيطاليا وألمانيا واسبانيا وبريطانيا إضافة الى تركيا.
باريس – “رأي اليوم”

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.