فرنسا و « المهمة مستحيلة» في الساحل الإفريقي

المصدر:ترجمة: مكي معمري عن «الإكونومست»

أقلعت ثلاث مروحيات فرنسية، ذات مساء من شهر نوفمبر الماضي، مدعومة بطائرات مقاتلة، من قواعد عسكرية في عمق الساحل الإفريقي، وكانت مهمتها هي دعم عملية «كوماندوس» فرنسية على الأرض، تتعقب مسلحين على متن شاحنات صغيرة ودراجات نارية، في منطقة «ليبتاكو»، في مالي. ولسوء الحظ، تحطمت مروحيتان وهما تحلقان على ارتفاع منخفض، في الظلام الدامس، والنتيجة هي مقتل 13 جندياً فرنسياً، أصغرهم في الـ22 من العمر.

هزت الوفيات فرنسا، وأحيت هذه الحادثة أسئلة حول ما تفعله القوات الفرنسية، بالضبط، في هذا الحزام الشاسع وشبه القاحل، جنوب الصحراء الكبرى. وفي قمة بمدينة «باو»، جنوب غرب فرنسا، جمعت قادة دول الساحل الخمس، في 13 يناير، حاول الرئيس إيمانويل ماكرون تقديم إجابة، وأعلن أن فرنسا موجودة هناك لتحقيق الأمن والاستقرار. وقال ماكرون بنبرة غاضبة: «إذا طلبت دولة إفريقية في أي وقت من الجيش الفرنسي ألا يبقى هناك، بعد الآن، فسنغادر».

مفارقات

في غضون ذلك، تكشفت مفارقات ومعاناة الجنود في العملية الفرنسية، المعروفة باسم «برخان»، بسبب هذه الوفيات، فضلاً عن العدد الكبير من القتلى من القوات الإفريقية. وفي بداية يناير، توفي 89 جندياً من النيجر، في كمين استهدف موقعاً عسكرياً في شيناغودرار، بالقرب من الحدود مع مالي. وجاء ذلك بعد هجوم منفصل على قاعدة عسكرية في النيجر، في إيناتس، أسفر عن مقتل 71 جندياً. وأصبحت المناطق الحدودية بين النيجر وبوركينا فاسو ومالي منطقة من عدم الاستقرار المزمن، والتهريب، والنشاط المسلح. وحدث ذلك، في منطقة الساحل، بعد انهيار تنظيم «داعش» في سورية والعراق، وانحدار ليبيا إلى الفوضى. ويقول مارك أنطوان بيروز، الذي ألّف كتاباً جديداً عن الوجود الفرنسي في الساحل، إن فرنسا قد تم جرها إلى ما سماها «مهمة مستحيلة».

مجموعة الساحل

وكان الرئيس الفرنسي السابق، فرانسوا هولاند، هو الذي أرسل القوات الفرنسية إلى مالي، في عام 2013، من أجل مواجهة تمدد الجماعات المسلحة، ولم يكن من المفترض أن تكون هذه عملية دائمة، ومع ذلك، بعد سبع سنوات، لايزال 4500 جندي فرنسي هناك. ومن الناحية النظرية، هم يساعدون في التدريب والعمل جنباً إلى جنب مع قوة مشتركة قوامها 5000 جندي، من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، والمعروفة باسم «دول الساحل الخمس»، لكن هذه القوات، بخلاف التشادية، غير مؤهلة للقيام بالمهمة. وهناك أيضاً قوة لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة، في مالي، يبلغ قوامها نحو 15 ألف فرد.

تولى ماكرون، الذي ينتمي إلى جيل لم يعرف إفريقيا وهي تحت الحكم الاستعماري الفرنسي، منصبه في عام 2017، وكان حريصاً على اتباع نهج أبوي أقل صرامة مما فعل أسلافه. وأقام علاقات مع دول غير ناطقة بالفرنسية، بما في ذلك نيجيريا وغانا، ووعد بإعادة الأعمال الفنية الإفريقية من باريس، وتحدث عن «جرائم الاستعمار». ويعتبر ماكرون أن العملية الفرنسية ضد المسلحين في الساحل «ضرورية للغاية» في الكفاح ضد «الإرهاب»، الذي تشعر فرنسا بأنه عبء تتحمله نيابة عن الآخرين.

لذلك، وبسبب الإحباط الواضح، يجد ماكرون نفسه، أيضاً، هدفاً لحملة عدائية ضد فرنسا في المنطقة. وفي هذا السياق، طالب متظاهرون في عاصمة مالي، باماكو، وفي النيجر المجاورة، القوات الفرنسية بالمغادرة، ويتهم النقاد فرنسا بدعم الحكام الاستبداديين، وفي الوقت نفسه، يشعر سياسيون في القارة بالفزع إزاء الجهود الفرنسية.

وفي خضم الاتهامات والتهم المضادة، كان الغرض من القمة الأخيرة في «باو»، كما يقول مسؤول فرنسي، هو «التوضيح». وأعلن ماكرون في ديسمبر، أثناء قمة الحلف الأطلسي، في لندن، أنه «لا يستطيع إبقاء، ولن يُبقي، الجنود الفرنسيين على الأرض، في الساحل، طالما هناك غموض حول ما إذا كانوا موضع ترحيب أم لا». وفي «باو»، حصل الرئيس الفرنسي على تأكيد رسمي من قادة دول الساحل الخمس برغبتهم في استمرار المشاركة العسكرية الفرنسية في الساحل.

 

وحيدة

ومع ذلك تجد فرنسا نفسها بمفردها على نحو متزايد، ولا تحصل إلا على مساعدة محدودة من بريطانيا والدنمارك وإستونيا وألمانيا، وهي تحاول المساعدة في بناء القدرات المحلية. وشريكها الحقيقي، مع ذلك، هو الولايات المتحدة، التي تدير أنشطتها الخاصة لمكافحة الإرهاب في المنطقة، بما في ذلك قاعدة جوية وطائرات بدون طيار في أغاديز، في الصحراء بوسط النيجر، ومركز مراقبة آخر في الشمال. والآن، يُفكر «البنتاغون» في تقليص عملياته. ويقول الباحث في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية، فرانسوا هيسبورغ: «نحن عالقون» متابعاً: «نحن في المكان الذي لا نريد أن نكون فيه. إنه أفغانستان صغيرة».

عملية «برخان»

منذ عام 2014، استبدلت القيادة العسكرية الفرنسية عملية «سرفال» بعملية «برخان» مع 4500 عسكري منتشرين في منطقة الساحل في الصحراء الكبرى، لكن الأفق يبدو معتماً، رغم سنوات من الوجود المستمر. ورغم الجهود التدريبية التي يبذلها الاتحاد الأوروبي، وبعثة الأمم المتحدة في مالي، وقوة «برخان»، تبدو الجيوش الوطنية لبلدان منطقة الساحل، التي تعد من أفقر دول العالم، غير قادرة على وقف الهجمات. ومنذ بداية الانخراط الفرنسي في المنطقة، لم يحصل أي تقدم، بل تدهور الوضع، ما يدل على أن الحل ليس عسكرياً.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك