السباق إلى الذهب في مالي هو سباق إلى التطرّف

احتطاب جديد

من أهم المداخل التي تطرحُ على الجهات والمؤسسات التي تتصدى لمهمة مقاومة الحركات الإرهابية، هي ضرب مصادر التمويل ومحاصرتها. ولئن تشابه الكثير من التيارات الإرهابية في الاعتماد على مصادر تمويل معروفة من قبيل الاحتطاب وتجارة المخدرات والسجائر والنفط وتحصيل الضرائب بالقوة، إلا أن منطقة الساحل الأفريقي، ومالي تحديدا، تفردت بنوع مميز من مصادر التمويل يقوم على البحث عن الذهب واستخراجه. وإذ وفّر السباق نحو معادن الذهب في شمال مالي بعض الانتعاش للاقتصاد المحلي، إلا أنه مثل أيضا مصدر تمويل للتيارات الإرهابية.

كيدال (مالي) – أجمعت تقارير دولية كثيرة على أن التيارات الإرهابية المسلحة الناشطة في الساحل الأفريقي توفر حاجياتها المالية اعتمادا على منقبيها الناشطين في مناجم البحث عن الذهب النفيس خاصة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

انطلق السباق نحو مناجم الذهب في منطقة شمال مالي حيث يرتكز المقاتلون المرتبطون بتنظيم القاعدة، ما أثار مخاوف من وجهة الأرباح الناتجة عن التعدين الحِرفي، إذ أنها لن تفيدَ الاقتصاد المحلي فحسب، بل ستساعد المتطرفين الإسلاميين أيضا.

ويسيطر تحالف من متمردي الطوارق المسلحين المعروفين باسم تنسيق حركات أزواد على منطقة كيدال، ويشرف قادتها على أنشطة البحث عن الذهب. ويُؤكد البعض على وجود علاقات تربط متمردي الطوارق بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التابعة لتنظيم القاعدة، التي أصبحت تشكل واحدة من أكثر الجماعات المتطرفة نشاطا في الدولة الواقعة في غرب أفريقيا بعد أن ارتفعت الهجمات التي استهدفت الجيش والمدنيين من خلالها.

وقد توصلت الحركات الإرهابية الناشطة في مالي إلى تسريب ودسّ بعض نشطائها داخل المنقبين المنتشرين في مواقع عديدة غنية بالذهب ما جعلها تحصل بسهولة على حاجتها من المال والسلاح.

وقال كبير الباحثين بمعهد باماكو للدراسات الأمنية، إبراهيم مايجا “لا يمكن استبعاد فكرة دور الأفراد الذين ينتمون إلى مجموعات إرهابية (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في هذه الحالة) في تأمين المواقع وتحصيل الضرائب كمقابل لذلك”.

ورفض متمردو الطوارق المسلحين الحديث عن موضوع وجود مقاتلين مرتبطين بتنظيم القاعدة في صفوفهم. وكان السكان يخشون مناقشة الأمر، حيث أكدوا انتشار عملاء استخبارات ينشطون لصالح الجماعة المتطرفة في كل مكان من المدينة.

وفي شهر أغسطس الماضي، توصل تقرير من لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة إلى أن متمردي الطوارق المسلحين كانوا يجمعون مداخيل من نقاط التفتيش والضرائب المرتبطة بالسباق إلى الذهب. لكن “لم يمتثل الكثيرون للوائح بعد”. وقال إن السباق بدأ في خضمّ الفوضى. وحسب ما جاء في التقرير، كان الخبراء يجمعون “أدلة على تورط أفراد من الجماعات المسلحة مع الجماعات الإرهابية”.

وتعتبر جماعة تنسيق حركات أزواد مجموعة ممتثلة لتوقيعها اتفاق سلام مع حكومة مالي في العام 2015. لكنها واجهت العديد من الصعوبات في تنفيذ الاتفاقية. وتعدّ العلاقات بين متمردي الطوارق والمتطرفين الإسلاميين معقدة ومتغيّرة. فلفترة طويلة، سعى المتمردون إلى إنشاء دولة مستقلة تعرف باسم أزواد، ووقع البعض على الاتفاقية مع الحكومة، واختار آخرون، بمن فيهم زعيم ثوار الطوارق السابق إياد أغ غالي، طريق التطرف، وأطلقوا جماعة تعرف باسم أنصار الدين، ثم انضموا إلى آخرين لتشكيل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

Thumbnail

وبدأ البحث عن الذهب في كيدال في سنة 2016، بعد وقت قصير من توقيع جماعة تنسيق حركات أزواد على اتفاق السلام. وأكّد الطيوب أغ بطاي، الذي يقود منظمة غير حكومية محلية، بحث حوالي ألف شخص عن الذهب. وبالإضافة إلى الماليين، يشارك القادمون من النيجر وتشاد والسودان والجزائر في هذا السباق.

ويمكن أن يصل سعر الذهب إلى 1300 فرنك أفريقي (2.19 دولار) للقيراط الواحد في باماكو، ما سيوفر شريان حياة لمنطقة دمّر النزاع الذي يعود إلى سنة 2011 اقتصادها. ورغم استمرار المخاوف، يصر القادة المحليون على أن السباق إلى الذهب جلب الرخاء الذي تعدّ البلاد في أمس الحاجة إليه.

وقال الطيوب آغ انتالا، الذي يقود منظمة مدنيّة أخرى، “قبل اكتشاف الذهب في منطقة كيدال، انتشر اللصوص الذين اقتحموا المنازل الخاصة ونهبوا المنظمات غير الحكومية. كانت البلاد تشهد عمليات سطو طوال الوقت. منذ اكتشاف الذهب، تحوّل انتباه الشباب إلى مهمّة البحث عنه”.

يشار إلى أن منظمة الأزمات الدولية (International Crisis Group) حذرت في تقريرها الذي صدر في 13 نوفمبر الماضي، من كون التيارات الإرهابية المتطرفة وجدت في مناجم الذهب المنتشرة في الساحل الأفريقي مصدرا جديدا لتمويل أعمالها وأنشطتها.

وأشار التقرير الذي حمل عنوان “استعادة السيطرة على الاندفاع نحو الذهب في وسط الساحل الأفريقي” من أن “الطفرة الذهبية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر تمثل مصدرا جديدا للتمويل والتجنيد لمختلف الجماعات المسلحة بما في ذلك الجماعات الجهادية”.

وأكد التقرير على ضرورة أن تضفي دول الساحل الطابع الرسمي على تعدين الذهب الحرفي، لأنه من دون تنظيم القطاع، فإن هذا من شأنه أن يغذي العنف والإرهاب في المنطقة.

وقدر تقرير منظمة الأزمات الدولية عدد المشتغلين في التنقيب التقليدي في الساحل الأفريقي بمليوني شخص، بينهم مليون عامل في بوركينا فاسو، و700 ألف عامل في مالي، و300 ألف مشتغل في النيجر، وأشار إلى أن فرص التشغيل غير المباشرة المتصلة بهذا القطاع تناهز 3 أضعاف المشتغلين المباشرين.

Thumbnail

تحول التنقيب عن الذهب في مالي، كما في غيرها في بعض البلدان المجاورة، إلى رهان للجهاديين في الساحل الأفريقي، وتحقق هذا الرهان اعتمادا على تضافر عنصرين متكاملين؛ الأول هو ضعف الدولة وعدم قدرتها على بسط نفوذها على مجالها، والعنصر الثاني هو ما تدره مناجم الذهب والتعدين الحرفي من موارد مهمة. موارد يمكن أن تموّل العمليات الإرهابية وعمليات التجنيد والاستقطاب، خاصة في ظل شح الموارد الأخرى، المعتادة عند تنظيمات الإرهاب، وفي ظل تراجع التواصل مع التيارات الإرهابية الكبرى التي تعيش بدورها حصارا في مناطق نفوذها التقليدية (في سوريا وفي العراق).

وبذلك تحولت مواقع مناجم الذهب في مالي وفي بوركينا فاسو وفي النيجر إلى مواقع للجماعات الجهادية. في شرق بوركينا فاسو وفي مقاطعة تورودي في النيجر، تم الإبلاغ عن خطب جهادية تدعو إلى احترام الشريعة في مواقع الاستخراج. وتحاول “منظومة الأخلاق” التي تروجها التيارات الإرهابية إرضاء جزء من المجتمعات المحيطة، حيث تتكرر السرقة أو استهلاك الكحول أو حتى الدعارة.

عدد المشتغلين في التنقيب في الساحل الأفريقي

  • مليون عامل في بوركينا فاسو

  • 700 ألف عامل في مالي

  • 300 ألف عامل في النيجر

ولعل أهم المعضلات التي تواجه الدولة القائمة، أو الأطراف الدولية التي تحاول محاربة الإرهاب، تكمن في أن قسما كبيرا من عمال مناجم الذهب الحرفيين، أصبحوا يفضلون التعامل أو “التطبيع” مع الجماعات الجهادية، بل يفضلونها على الجهات الرسمية. إنهم يقفون جنبا إلى جنب مع من يملك السلطة المحلية ومع من يحدد شروط استخراج الذهب، إلى درجة أن بعض العمال أصبحوا لا يرون ضيرا في الاتحاد مع التيارات الإرهابية في عمليات الاستيلاء على مواقع التعدين المتنازع عليها.

في شرق بوركينا فاسو، أمر حاكم المنطقة في عام 2018 بإغلاق مواقع التعدين الحرفية، لمنع تمويل الجماعات الإرهابية، لكن عمال مناجم الذهب الحرفيين الساخطين تحولوا إلى الجهاديين، الذين أعادوا فتح بعض المناجم، مثل منجم كابونجا.

وطفرة الذهب في منطقة الساحل الأفريقي قدمت مشهدا مفتوحا على وجهتين. الوجهة الأولى هو التعدين الحرفي الذي يمكن أن يفتح آفاقا جديدة للمنطقة في ما يتعلق بالعمل وخلق حيوية اقتصادية تقطع مع الركود الاقتصادي. أما الوجهة الثانية فلا تقتصر فقط على التحديات البيئية والصحية والاجتماعية، بل تذهب أبعد من ذلك في ما يتصل بالمخاطر الأمنية التي أحدثتها سيطرة التيارات الإرهابية على معادن الذهب. تقوم التيارات الإرهابية بعمليات إغارة على مواقع الاستخراج، وتحاول فرض ضرائب على المشتغلين في هذا القطاع، وهي بذلك تحل محل الدولة الضعيفة.

مثل السباق المحموم نحو مناجم الذهب في مالي، وفي غيرها، اختصارا مكثفا للسباق نحو التطرف، وقد تضافرت عوامل محلية وإقليمية ودولية للوصول إلى هذا الوضع الخطير، القائم على سيطرة الجماعات الإرهابية على المنطقة وتمكنها من تدبر آليات تمويل جديدة، فضلا عن توسع نفوذها لدى السكان المحليين. وضع سيساهم في تعميق الأخطار والتحديات الإرهابية في منطقة مرشحة لأن تستقبل المزيد من العناصر الإرهابية الفارة من مناطق أخرى.

Thumbnail
Thumbnail

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك