محللين: النخبة الجزائرية (الحاكمة) أظهرت مرونة وقدرة على المقاومة

الحراك الشعبي في الجزائر يدخل عامه الثاني. حراك سلمي شارك فيه الملايين، وتمكن من إجبار بوتفليقة على التنحي والإطاحة برموز الحكم، لكنه أخفق في تحقيق تطلعاته الديمقراطية وتغيير النظام. فما سبب ذلك؟

قبل عام، في 22 فبراير/ فبراير 2019، خرج آلاف الجزائريين في احتجاجات شعبية حاشدة ضد ترشح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. وبعد أشهر تمكنوا، بدعم من الجيش تحت قيادة الفريق أحمد قايد صالح، من إرغامه على مغادرة قصر المرادية بعد عقدين من الحكم. وما يدعو للاستغراب، هو تقديم تنحي بوتفليقة المريض المشلول، العاجز عن الكلام وإدارة شؤون الدولة، كأحد أكبر انجازات الحراك الشعبي. حراك كان يطمح لتأسيس جمهورية جديدة مبنية على نظام ديموقراطي يتيح للشعب الجزائري اختيار مؤسساته بكل حرية.

صحيفة “تاتس” اليسارية الألمانية علقت على الحراك وكتبت أن “النخبة الجزائرية (الحاكمة) أظهرت مرونة وقدرة على المقاومة، وتمكنت من كسب الوقت بمزيج من التنازلات والمراوغات، منها تقديم عدد من رموز (نظام بوتفليقة) للمحاكمة”. وما يثير استغراب كثير من الخبراء الألمان هو من جهة “وصفة النظام” لامتصاص الحراك من جهة، وفي الوقت نفسه الإصرار الشعبي غير المعهود على مواصلة الاحتجاجات.

التفاف على عام من الغضب!

يبدو أن الدولة العميقة في الجزائر استلهمت التجربة المصرية والطريقة التي وظف بها الجيش هناك الاحتقان الشعبي لتعزيز سلطاته.الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أثنى على الحراك الشعبي وأكد أنه “لولاه (الحراك) لانهارت الدولة الوطنية، الشعب أوقف المؤامرة التي حيكت ضد البلاد في وقتها”. وأضاف في لقاء بثه التلفزيون الرسمي “من يواصلون الحراك للاحتجاج يمارسون حقهم في التعبير عن رأيهم بحرية لأن هذا أساس الديمقراطية، وهي ظاهرة صحية”. بل إن تبون دأب على تبني العديد من شعارات الحراك، وهو ما يرى فيه كثير من النشطاء التفافا على مطالب التغيير الجوهري الذي يطالب به المحتجون. فبعد عام من الحراك عادت الواجهة المدنية للمرادية (قصر الرئاسة) وعاد معها المشهد السياسي، إلى مربعه الأول.

فهل حققت هذه المراوغة الاستقرار المنشود؟ النظام الجزائري معروف بقدرته على تغيير الواجهات دون المساس بالجوهر. وفي مقال مشترك كتب كل من إيزابيل فيغينفيلس ولوكا ميهه على موقع “قنطرة” الألماني: “في تكذيب لكل التوقعات، لم ينهار النظام الجزائري، ولم يلجأ لاستعمال العنف على نطاق واسع، بعد عام من الحراك الجماهيري. غير أن الاستقرار لم يستتب بعد في البلاد”. والدليل هو أن الحراك وإن خفت إلى حد ما، فهو لم يتوقف بعد بشكل كامل. ويضيف الكاتبان: “بالنظر للافتقار للبنى التنظيمية والإدارية، والتضارب بين الاستراتيجيات والأهداف، وكذلك ضآلة الانجازات الملموسة، فإن تعبئة (الحراك) المتواصلة لافتة للنظر”.

الاقتصاد قد يحدد مصير الحراك!

يبدو أن فريق الحكم الجديد في الجزائر يعي تماما أن الوضع الاقتصادي سيكون محددا لمآلات الوضع السياسي، في نظام دأب على شراء السلم الاجتماعي بالريع البترولي، كما حدث خلال ما يسمى بـ”الربيع العربي” عام 2011، حينما أغدقت الدولة الأموال والمساعدات على المواطنين. رئيس الوزراء الجزائري الجديد، عبد العزيز جراد، قدم “خطة عمل” في محاولة لتنويع مصادر دخل الاقتصاد الجزائري، بعد هبوط أسعار النفط وتراجع الاحتياط النقدي للبلاد من العملة الصعبة إلى 62 مليار دولار نهاية عام 2019، بعدما وصل في أوجه إلى 179 مليار دولار عام 2014.

تقول إيزابيل فيغينفيلس ولوكا ميهه أنه “كيفما كانت السيناريوهات المستقبلية، فإن العامل الاقتصادي سيكون المحدد الحاسم. على هذا الأساس، يمكن اعتبار الوعود الإصلاحية للرئيس (عبد المجيد تبون وحكومته) بمثابة هروب إلى الأمام”.

الملفتُ، هو أنه وبعد عام من انطلاق الاحتجاجات، لا يزال من الصعب التنبؤ بمآل الحراك الذي نجح في تغيير المشهد السياسي في الجزائر، دون تغيير قواعد لعبته. حراك كشف جيلا جديدا مُسيًسا ومتعلما، مرتبط بالعالم عر شبكات التواصل الاجتماعي. إن التعبئة الشعبية الاستثنائية خلال إحياء الذكرى الأولى للحراك، بخروج مئات الآلاف من المواطنين عبر البلاد، تدل على أن النظام لم يحسم المعركة بعد لصالحه تماما. وبالتالي فإن آمال تأسيس جمهورية ديموقراطية تكون فيها السيادة للشعب، لا تزال قائمة.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك