الترجمة».. إبداع يتأرجح بين الحرفية والامتهان    

 الترجمة جنس إبداعي له أدواته، وقيمة معرفية لها اشتراطاتها، وإن اعتبرها البعض خيانة للنص الأصلي.. ولكن يبقى لها وهجها وجماليتها فضلاً عن قيمتها الثقافية والمعرفية في كونها قنطرة يصلنا من خلالها إبداع الآخر.

الملاحظ أن هناك ما يشوه تلك الترجمات من خلال تخلي البعض عن رصانة الترجمة ودقتها، كما أن هناك جهوداً مشكورة تقدم نصوصاً ومقاطع مرئية توعوية أو ملامسة الهم السياسي والاجتماعي، يلحظ عليها ضعف أدوات المترجم ولغته وخبرته في تقديم عمل مترجم سليم يؤدي المرجو منه.. توجهت «الرياض» لعدد من المترجمين في المملكة والوطن العربي لمعرفة آرائهم حيال ما يطرح من ترجمات وقراءتهم هذه الجهود والمحاولات، وكذلك الحلول التي يرونها لمعالجة هذا الخلل المعرفي والمنهجي حتى نظفر بترجمات حقيقية.. فإلى تفاصيل أكثر في ثنايا الاستطلاع..

«المهارة والتدريب»

بداية يقول عبدالله الزماي – مترجم وكاتب -: الترجمة عمل شاق ومضن وليس من الأعمال السهلة اليسيرة.. يتطلب المهارة والتمكن من الكثير من الأدوات الضرورية لعمل المترجم ولهذا فقد قيل: «إن الترجمة دون بحث يمكن أن تكون أي شيء سوى أن تكون ترجمة». وهذا ما يدل على أن المترجم يجب أن يكون متمكناً من مهارات عديدة مثل البحث والقدرة على الوصول إلى المعلومة وتمييز المصادر والتوثيق والقراءة والفهم واستخلاص المعاني وكذلك الكتابة والتمكن من الصياغات اللغوية المناسبة. ويكمل الزماي: إذاً يخطئ كثيراً من يظن أن الترجمة مقتصرة على عملية النقل اللغوي الحرفي من لغة إلى أخرى وإنما هي تتطلب الكثير من المهارات التي يتطلب لإتقانها الاطلاع والتدريب كثيراً وطويلاً واكتساب الخبرة واللياقة والاحتكاك بكل ما من شأنه صقل تلك المهارات وبلورتها.

ويرى أن اكتساب لغة أخرى لا يعني اكتساب لسان آخر فقط للتعبير والتخاطب، وإنما طريقة أخرى للتفكير ورؤية الأشياء. ويؤكد: لا شك أن الترجمة قد طالها ما طال غيرها في عصر السرعة وإيقاع الحياة السريع ولربما وجد من يستسهلها أو يستعجل فيها وربما أن بعضها أصلاً لا يحتمل مثل كل هذا الوعي النظري، جازماً بأنه لا يمكن مقارنة ترجمة كتاب نظري أو إبداعي بترجمة تصريح لاعب بعد الانتهاء من المباراة مثلاً. حيث يرى الزماي أنه في الأولى قد تصادفك بعض المصطلحات والسياقات التي تحتاج حينها للعودة إلى الكثير والعديد من المراجع حتى تتمكن من فهمها وبالتالي ترجمتها. ويختم حديثه بقوله: من هذا الباب تكون الترجمة على عدة مستويات مختلفة وليست ذات مستوى واحد ولكن هذا لا يلغي على كل الأحوال حاجة المترجم الدائمة إلى التدريب المتواصل وتطوير مهاراته باستمرار.

«المهنة والهواية»

وأشار محمد الفولي -مترجم مصري – إلى أن أي جهد مبذول في مجال الترجمة يستحق الثناء، لكن لا بد هنا من الفصل بين العمل الذي يمارسه من يمتهن الترجمة ومن يمارسها كهواية أو بغرض إيصال معلومة ما، كما في مسألة المقاطع المرئية التوعوية أو تلك الملامسة للهم السياسي والاجتماعي.

ويقول: ظني أن المشكلة الكبرى التي تواجه الترجمة في العالم العربي تتمثل في غياب التأهيل بالصورة المطلوبة، بل إن المترجم المحترف لا يكتسب أغلب مهاراته من دراسته الأكاديمية التي تميل في أحيان كثيرة إلى التنظير وتبعد عن الممارسة الحقيقية لفعل الترجمة. أتحدث عن هذه المسألة من واقع تجربتي الشخصية. كان الفارق بين ما درسناه في الجامعة وما يتطلبه العمل في مجال الترجمة في الفترة التي تلتها شاسعًا.

ويضيف الفولي: لا أتحدث فقط عن الاحتكاك بأنواع النصوص المختلفة من صحفية إلى أدبية أو قانونية أو علمية، وإنما أيضًا عملية التعرف على طبيعة الأدوات التي قد تساعد المترجم في عمله من قواميس إلكترونية ومعاجم خاصة والبرامج المساعدة في توحيد الاصطلاحات؛ ناهيك عن مفهوم تحرير النص المُترجم نفسه وتدقيقه لغويًا.

ويرى أن سلاح المترجم الأساسي بخلاف سعة اطلاعه وموهبته، هو الممارسة التي تسمح له الاحتكاك بشتى أنواع النصوص والإشكاليات والأدوات، فكلما بدأ فعل الممارسة الحقيقية مُبكرًا سترتفع جودة النص المترجم، وهذه العملية لن تتأتى إلا إن تغيرت طريقة تدريس الترجمة في الجامعات بالبعد عن النواحي النظرية والتركيز على الجانب التطبيقي والعملي.

ويعتقد أنه من الصعوبة بمكان السيطرة على من يمارسون الترجمة كهواية في مسألة المقاطع المرئية التوعوية، أو حتى الترفيهية؛ وقال: أي شخص يمتلك خبرة بسيطة مع أدوات تحرير مقاطع الفيديو ومعرفة لغوية معقولة وحسابات على الشبكات الاجتماعية يُمكنه التجربة ونشر ما يحلو له. حينها سيقع الدور على المتلقي للحكم وبالمثل التمييز بين الغث والسمين. ثمة صعوبة في أن يُمارس جهد مؤسسي من جهة ما للسيطرة على هذا النوع من الترجمات وتحسينها، إذ لا بد أن تنبع هذه الرغبة ممن يمارسونها بأنفسهم بمراعاة النقاط نفسها التي يوليها من يمتهن الترجمة اهتمامه؛ من سعة الاطلاع، لإيصال المعنى المقصود والصحيح، للتركيبة اللغوية السليمة، للبعد عن الركاكة، مرورًا بالتعرف على الأدوات التي قد تساعده في تحقيق كل هذا.

«المحاولة والخطأ»

أما بثينة الإبراهيم – مترجمة سورية – فتقول: لنتفق أولًا على أن الترجمة ليست بخيانة للنص الأصلي إلا إن شابها ما يوجب وصمها بتهمة كالخيانة، وتضيف: أقصد بذلك إن أدت الترجمة إلى الإخلال بالمعنى وما يبنى على المعنى الجديد البعيد عن المعنى الأساسي.

الرحيلي: الركاكة تشوه الجمال وتهدد الإبداع

وتتلمس العذر لهواة الترجمة أو من هم في بداية اتخاذها مهنة كما في مسألة المقاطع المرئية التوعوية والملامسة للهم السياسي والاجتماعي معتقدة أن حماسة البعض لترجمة هذه المقاطع يأتي من رؤيتهم أن فيها ما يسد نقصًا في المحتوى العربي دون أن يمتلك من المهارات ما يمكنه من جعل المادة متقنة. وترى في الوقت نفسه أنه لا بد من الإقرار بفضل هذه المحاولات في السعي نحو إفادة فئات كبيرة لا يتسنى لها الاطلاع على المواد بلغاتها الأصلية.

موضحة الإبراهيم: إن هذه المحاولات وإن اعتورها النقص والخطأ، تمرين حقيقي لمن يعمل عليها، سيمكنه من صقل مهارته بمرور الأيام، واختصارًا للوقت على مقدمي هذه المواد تؤمل إخضاعهم لورشات تدريبية يتعرفون فيها على تقنيات أساسية تمكنهم من تحسين مستوى الأداء وتطوير المحتوى دومًا.

«المثاقفة والتنمية»

وينحاز محمد سالم – مترجم وباحث من الكويت – إلى الترجمة باعتبارها عملية مثاقفة حقيقية فعالة، تقع في صلب التنمية، ويقول: لا نهضة حقيقية دون ترجمة محترفة. وما سهام النقد أو الاتهامات التي توجّه إلى المترجم، أيّاً يكن نطاق عمله، إلا نتيجة غياب الإيمان الحقيقي بدور المترجمين في نهوض المجتمعات.

ويعرج على ما وصمت به الترجمة في حالتي تطابقها مع النص أو ابتعادها عنه قائلاً: لطالما كانت الترجمة متهمة، فإن طابقت النص الأصلي اعتُبرت مخلّة بحق الثقافة الهدف، وإن ابتعدت عنه وصمت بالخيانة! هذه الغربة لا تنتهي حتى في أرفف المكتبات، فمهما بلغ تأثير الترجمات في الآداب الوطنية يظل الأدب المترجم أدباً أجنبياً.

مشيراً إلى بعض مشاريع دول المنطقة لإنشاء بيوتات للترجمة وجوائز ترعاها بعض المؤسسات الرسمية والجامعات أو دور النشر وحتى مكاتب الترجمة، وقرار إنشاء المعهد العالي العربي للترجمة التابع للأمانة العامة لجامعة الدول العربية العام 1985 ولكنه دشن فعلياً في العام 2004.

ويكمل حديثه: تقول اليونسكو في دراستها المنشورة على الشبكة بعنوان: (اللغة العربية بوابة للمعرفة، بناء مجتمعات المعرفة في المنطقة العربية) والصادرة العام 2019: إن المجموع التراكمي لعدد الكتب المترجمة إلى اللغة العربية منذ العام 1979 وحتى آخر تحديث في فهرسها (العام 2019) بلغ 11314 كتاباً، فيما ذكر التقرير أن الكيان الصهيوني ترجم 10838 وترجمت تركيا 11197 وإيران 10633 كتاباً. ويعلق: هذا فارق كبير يثبت ضعف هذه المؤسسات في بلادنا. فإذا نظرنا شرقاً إلى الصين، التي وضعت الانتقال إلى اقتصاديات المعرفة على رأس أهدافها التنموية، فقد ترجمت وفق إحصائية حديثة نصف مليون عنوان في عام واحد، ثم ترجمت في العام الذي يليه 10 ملايين عنوان.

هذه الأرقام صادمة – «والرأي للمترجم» – خاصة إذا علمنا أن حركة النشر والطباعة، هي أيضاً غير مدعومة جدياً في منطقتنا، فدولة واحدة تنتمي إلى مجتمعات نامية مثلنا، هي المكسيك، قد أنتجت وحدها: 29132 عنواناً في العام 2015 ولا لزوم لمعرفة كم تنتج الصين، إن كانت مؤسساتنا مجتمعة عاجزة عن ترجمة نتاج المكسيك.

ويختم: رحل جبرا إبراهيم جبرا وهو ينادي بأن الترجمة هي وسيلة تعزيز النهضة العربية الحديثة، ورحل صالح علماني وهو يطالب ببيت للمترجمين، وما زال المترجمون يعملون فرادى مدفوعين بإيمانهم بهذه المهنة الشاقة، ونتمنى أن لا نمضي من هذه الحياة دون أن نرى دوراً مركزياً لوزارات الثقافة في نقل وتوطين المعرفة ودعم الناشرين والمترجمين المؤهلين للقيام بدورهم على أمثل وجه.

«التعريب والتغريب»

وتذهب حنين الرحيلي -مترجمة سعودية – إلى أن علوّ كعبِ الترجمة في هذا العصر لإدراك المجتمع لمدى أهميتها، وتقول: لكن لا تخلو «نهضة الترجمة والتعريب» هذه من بعض أشكال التغريب اللغوي على وجه الخصوص، فليس من الصعب ملاحظةُ ركاكةِ لغة الكثير من الترجمات، التي أدّت بالتالي إلى تشويه محتواها.

وتضيف: الترجمة مجالٌ خصبٌ للموهبة والإبداع، ولكن هذا لا يعني إغفال كونها تخصصًا علميًا دقيقًا، تلعب الموهبة فيها دورًا رئيسًا مثل كتابة الشعر أو الرسم، لكنها لا تغني عن الدراسة والممارسة، لذا فإنّ الموهبة والتخصص طرفا خيطِ الترجمة، ولن يُنتج لنا التطرّف في هذه الحالة ترجمةً رصينة بلا شك.

واعتبرت الترجمة والكتابة وجهين لعملةٍ واحدة، كلتاهما تخلّدان أكفاء ومبدعي زمانهم، وتنقلان إرث الأمم إلى الأجيال القادمة، مطالبة أن نصبّ عليهما جلّ اهتمامنا لو كان لدينا هاجسٌ للتأريخ والتأثير على الأقل.

وزادت: على غِرار الكاتب والكتابة؛ يحتاج المترجم إلى أدوات أساسية للترجمة. إنّ أهم أداةٍ يحتاجها المترجم هي إتقان اللغة الأصل – الإنجليزية مثلًا – وتجزم بأن إتقان اللغة الهدف – العربية في حالتنا – هي الأهم والفيصل الذي تتباين به الترجمات، معتقدة أن أكثر الأخطاء تقع بسبب ضعفها، فنرى تفشّي تلك النصوص والمرئيات المفيدة التي عمل عليها مترجموها بحسن نية وسموِّ هدف؛ تشوب لغتها أبشع اللحون والأغلاط، المتأثرة غالبًا باللغة الأصل، فتتشوّه الترجمة وتصير تغريبًا لا تعريبًا، فضلًا عن الأخطاء النحْوية الفادحة.

وترى أن علاج هذا الخلل يُحتّم تصنيفه إلى صنفين: ركاكة الترجمات على منصات التواصل الاجتماعي من جهة؛ فهذه لا تشكل خطرًا كبيرًا على المحتوى العربي طالما أنها في أحسن أحوالها ستظل رائجة لأسبوع إذا تمّ تداولها في البرامج أو تزايد عدد إعادة تغريدها وتفضيلها، وقد تكون وسيلةً لتعلم المترجمين وتبادل النصائح والإرشادات لو أردنا رؤيتها بنظرة إيجابية. ثم ركاكة الترجمات على منصات النشر من جهة أخرى، من كتبٍ ومجلاتٍ وصحف، وهي أشدّ خطرًا وامتهانًا للغة والمحتوى، وتضع مسؤولية هذا الخلل في المقام الأول على عاتق جهات النشر، مؤكدة أن ما يمسُّ اللغة خصوصًا والهوية عمومًا بأي شكل من الأشكال؛ لا يحتمل المجاملة أو المتاجرة.

وتشدد الرحيلي على أن يضع الناشرون حدًا لهذه الوفرة التي اختلط فيها الغثّ بالسمين حتى ما عاد يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وأن يعودوا إلى زمن تقدير مهنة الترجمة بقيمتها المعرفية، وتمييز المترجمين المؤثرين الذين نقلوا شتّى ثقافات العالم الرائدة آنئذٍ كالإغريقية والهندية والفارسية بلغةٍ إبداعية لا تقل رصانةً عمّا كُتب بالعربية في الأصل، حينما كان المترجم – كما تقول – مميزًا بلغته وثقافته وهمّه لنقل أجلِّ العلوم، التي عاشت بعد موته إلى الجيل التالي، ثم الذي يليه والذي يليه وهلمّ جرّا… حتى جيلنا الحالي، وسيظل إرثه ونتاج ترجمته مستمرًا مثمرًا إلى أن يشاء الله.

استطلاع – حمد بن هتفر

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.