صورة المرأة في الأمثال الشعبية المغربية بين الماضي والحاضر

*هاجر الحسناوي

يعتبر المثل ظاهرة فريدة ومتميزة في الآداب، نظرا لطبيعته اللغوية والتركيبية والبلاغية، كما يحمل دلالات عميقة، فهو عصارة تجارب إنسانية تلخص مواقف معينة في سياقات اجتماعية، بمعنى أن الأمثال الشعبية حمالة لتصورات وتمثلات تؤثر في سلوكات الأفراد داخل التنشئة الاجتماعية، فهي من المقومات الأساسية في الثقافة الشعبية المغربية تتناول من حياة الناس مواضيع ومواقف مختلفة، فتكون بهذا فلسفة الحياة والحضارة.
فهذا المثل الشعبي هو خطاب غير موقع باسم صاحبه بل باسم الجماعة، مجهول الصاحب وينتسب إلى الماضي البعيد، وعندما نقول الماضي البعيد لا نقصد به ذاك الماضي الجامد؛ بل هو ممتد فينا يتحكم في أذواقنا، فيعمل وفق استراتيجية تجوع اللفظ وتشبع المعنى، فيساهم بشكل كبير في تشكيل الحس الجماعي، وهذا ما يبرز أهمية الثقافة الشعبية المتمثلة في إغناء هويتنا من خلال الانفتاح على الآخر والمختلف والهامشي داخل ثقافتنا، ثم لفهم ذواتنا داخل إطار المجتمع، على اعتبار أن المتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ليست وحدها المتحكمة في واقعنا، وإنما هناك المتغير الثقافي، وخاصة ما يرتبط بالثقافة العفوية أو الشعبية، التي نلحظها في الحكايات والنكت وغيرها، والذي يميز كذلك الأمثال الشعبية المغربية كونها سهلة الحفظ والتداول، أنها تصيب المعنى، كما تتمتع بالرشاقة اللفظية والجرس الموسيقي باعتماد القافية، وتأكيدا على هذا ما قاله علي أفرفار في كتابه صورة المرأة بين المنظور الديني والشعبي والعلماني: ” انتشاره السريع بين مختلف الفئات الاجتماعية، لسهولة تمثله واستيعابه ولبنائه التركيبي وقدرته التعبيرية التي تجعله يعكس مختلف أنماط السلوك البشري، ثم لاستمرارية حضوره وانتقاله من جيل لآخر، إضافة إلى طبيعته المتميزة بالتكثيف وبقدرته المجازية الكبيرة” فكل هذا يبدو في ظاهره سليما بريئا إلا أنه من خلال هذه الأمثال يمكن أن تمرر مجموعة من المعتقدات القدحية، والتي يسلم بها كل من سمعها فتصبح عنده قاعدة لا اجتهاد فيها؛ لأن الأمثال الشعبية كما ذكرنا تعبر عن واقع الناس لكن هذا الواقع متغير ومتجدد في حين أن الخطاب ثابت خصوصا فيما لا يخدم مصلحة الناس.
فموضوع “صورة المرأة في الأمثال الشعبية المغربية بين الماضي والحاضر” من المواضيع الحية، لأن المرأة في مجتمع ذكوري كانت دائما موضوعا للاشتغال وليست منتجة للأفكار، مثلا ” المرأة عقلها ف زينها والراجل زينو ف عقلو” هذه قوة خفية تعطل دور المرأة العقلي ومجهودها العملي، فيصبح شغلها الشاعل هو أن تتجمل وتعجب الآخر وإن لم يتحقق ذلك تموت موتا رمزيا كل يوم، فيكون نقمة أكثر مما هو نعمة، كذلك مثل آخر: ” الرابح من المرا والخاسر من المرا” نحن لا ننفي أن لها دور كبير في صلاح المجتمع أو في فساده لكن كأن هذا ينفي المسؤولية الكاملة والتامة عن الرجل، فيطرح السؤال هنا أين يتجلى دور المرأة في صناعة الأمثال الشعبية؟ أولا فخطاب الأمثال الشعبية يعبر عن الواقع ويختزن صورا مختلفة عن الواقع البشري، من ضمنها صورة المرأة.ونقصد بالصورة هنا، ذلك البناء الذهني الذي يتم على مستوى الذاتية والرمزية والخيال، والذي يرتبط بالواقع الإنساني، فالمرأة شكلت مادة دسمة في الموروث الشعبي الثقافي سواء في مدحها أو ذمها، لكن الأغلب أنها تقدم لنا المرأة في صورة ناقصة، وينظر إليها نظرة دونية، لكن العجيب والغريب أن المرأة هي الآلية الأساسية في ترسيخ هذا النوع من الأمثال الشعبية في الأجيال فتقوم بتمرير الخطابات المجحفة إزاء أبنائها فلا تتعامل مع الذكر مثل ما تتعامل مع البنت بمعنى هي من يكرس قيم الهيمنة الذكورية، بعبارة أخرى أمثال قيلت على لسان المرأة ذاك راجع لكونها جردت من جميع أسلحتها فتصبح تحت السلطة الذكورية، تصدق خطاب الأمثال الشعبية بكل حمولته.

مجموعة من الأمثال الشعبية المهينة للمرأة تستمد مشروعيتها من التأويلات الخاطئة لبعض النصوص الدينية من القرآن الكريم والسنة النبوية

وتعترف بشرعيته وتدافع عنه فتنقله لأبنائها إناثا وذكورا، نذكر من هذه الأمثال: ” بنتك لا تعلمها حروف ولا تسكنها غروف” “العاتق ف الدار عار” ” المرا لي تطوف ما تغزل صوف” وغيرها من الأمثال التي تحط من قيمة المرأة وتؤكد على السلطة الذكورية، كما لا ننسى أن مجموعة من الأمثال الشعبية المهينة للمرأة تستمد مشروعيتها من التأويلات الخاطئة لبعض النصوص الدينية من القرآن الكريم والسنة النبوية، هذا ما يدفع البعض إلى تحميل الدين المسؤولية في الحط من مكانة المرأة، الأمر الذي يتنافى مع الشريعة الإسلامية ومقاصدها وما جاء به الإسلام من رفع مكانة المرأة وتقديسها.
وبهذا نقول أن موضوع المرأة من المواضيع المتداولة في الأمثال الشعبية، وهذا هو الدافع لطرح هذا الإشكال، كما أن رغم التطور الذي عرفه المجتمع على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إلا أن المتغير الثقافي لا زال يلعب دورا مهيمنا في حياتنا اليومية، فلابد من تصحيح العقلية النقلية الميكانيكية التي تبعد الوعي بشكل تلقائي وتسلم بتلك الأمثال القدحية، والأجدر بذكره أن هذه الأمثال الشعبية لها سلطة إكراهية وسلطة حجاجية يصاب من خلالها الفرد بالبخل المعرفي فلا يعيد النظر فيها ولا فيما تحتويه بل يعتبرها وحيا لا يحق الاجتهاد في معانيه ومضامينه، فلابد من الاعتناء بالمرأة فهي لازالت تعاني من النظرة الدونية من عند البعض، كما أنه لابد من تحقيق الوعي فيما يصطلح عليه بالهيمنة الذكورية والتي يكون للمرأة دور في تكريسه.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك