هل جاءَ الوباءُ ليُعلِّم للمغاربة حُبَّ الوطن الذي عَجزَت الأسرُ و المدارسُ عن تعليمه؟

قد يكون من الإنصاف أن نقول إنّ الوباء جاءَ في وقته، فقد جنَّ جنون العالم منذ بداية هذا القرن، حروب و فتن و ظلم و جور في كل بقاع العالم، أبرياء يموتون بالملايين جراء الجوعِ و البرد و الامراض ،وأغنياء يشترون لوحة زيتية بئيسة بملايين الدولارات و يتباهون بمراحيضهم المبنية بالذهب و المرصعةِ بالألماس.

جاءَ الوباءُ لينقذ العالمَ مِن جنونِ حُكٌامِه الجُدُدِ الحمقى، المتطرفين، المتهورين. جاء ليكشفَ وجه الرأسمالية القبيح و يُعري الليبرالية المتوحشة و يضربها في مَقتَل.

جاءَ الوباءُ ليُنقِذ الكرة الأرضية من بطش الإنسان بها برا، وبحرا، وجوا، جاء الوباء ليعيد الحياة إلى أمٌِنا الأرض بعد أن تعبت من عقوقنا و فسادنا فيها، جاء الوباء ليحقق، بصفر درهم، ما لم يحققه مؤتمر الأطراف، الذي صُرفت عليه ملايير الدولات، و يَحُدَّ من أسباب الاحتباس الحراري وينقذ الكَوكَب من كارثة مُحققة.

جاءَ الوباءُ ليُعلٌِم الإنسانَ درسا مهما مَفادُه أن الأسلحة، التي صُرفت عليها نقود تكفي لشراء مجرة درب التبانة، لا تسمن ولا تغني من جوع في مواجهة كائن بسيط ضعيف لا يُرى بالعينِ المجردة.

جاءَ الوباءُ ليبيِّن لنا أهمية الأسرة و العائلة، جاء ليعيد الدفىء إلى بيوت تحولت إلى فنادق باردة لا يربط بين سكانها إلا ذلك السقف الذي تحته يرقدون، جاء لندرك أننا كدولة و كأمة نموذج مشرف و رائدٌ في التآزر و التكافل و التضامن، جاء الوباء ليرى العالم أننا نحن أصل الحضارة و الرقي وأننا مثال للانضباط و الإلتزام.

وأهم شيء أن الوباء جاء ليرى أبناؤنا ويشهدوا أن أوروبا ليست جنة الله فوق الأرض، و أن الأوروبيين ليسوا بالضرورة إنسانيين بالفطرة، جاء ليعلم أبنائنا أن الخير كله في الوطن لو نُشمٌٍر عن سواعدنا و نتحد على كلمة واحدة، جاء ليعلم أبناءنا لماذا يصر الآباء أن الملكية هي ضامن وحدتنا و حامي حمانا.

جاء الوباء ليشهد العالم كيف كنا استثناءً في منطقة تتلاطمها أمواج الإرهاب، وكيف نجونا من الربيع “الخريف” العربي و الآن نواجه الوباء بحنكة و قدرة و تبصر يفوق دول “متقدمة” تنظر إلينا الآن باحترام كبير وتشيد بتدبيرنا للأزمة.

جاءَ الوباءُ ليُعلِّم للمغاربة حُبَّ الوطن الذي عَجزَت الأسرُ و المدارسُ عن تعليمه، جاءَ ليزرعَ الوطنيةَ ويُعيدَ ضخّ الدّمِ في جَسدَ الوطنِ، الذي أُنْهِك مِن توالي الضرباتِ والهزاتِ والدسائسِ من الداخل و الخارج، وحاصرته الفتن والشكوك و الظنون، جاء الوباء ليرفع كل مغربي رأسه بعزة ويشعر بفخر الانتماء لهذا الوطن.
و ينشد قول مصطفى صادق الرافعي :
بلادي هواها في لساني وفي دمي
يمجدها قلبي ويدعو لها فمي.
الاستاذة :زينبة بن حمو

مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك