المحلل المالي عسو مصطفى: يتوفر المغرب على هوامش مريحة للعمل من الناحية الماكرو-اقتصادية تمكنه من مجابهة تداعيات هذه الأزمة

انتشرت جائحة كورونا في العالم بسرعة قياسية لا مثيل لها برهنت، إن كان لا يزال هنالك مجال للشك، بأن العالم أصبح مجرد قرية صغيرة. وضعت هذه الجائحة كافة دول العالم أمام تحديات كبيرة بغية احتوائها والحد من انتشارها، سواء على المستوى الصحي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وإن كان احتواء هذه الجائحة، على المستوى الصحي، أصبح مسألة أشهر، فإن تجاوز تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية قد يأخذ وقتا.
في حوار مع السيد عسو مصطفى المحلل الاقتصادي المختص في المالية العامة والباحث في قضايا التنمية نستعرض اهم الانعكاسات الاقتصادية لجائحة ” كوفيد19″ على الاقتصاد المغربي.

 

حوار : علي الانصاري ” بوابة افريقيا الاخبارية”

*هل من وصف اقتصادي لجائحة كورونا؟
**من الناحية الاقتصادية، لا يمكن وصف جائحة كورونا التي بدأت من الصين أواخر عام 2019 لتنتقل منها إلى كل دول العالم، إلا بكونها “مصدر أو مسبب أزمة” وصدمة (Choc) من المنظور الاقتصادي. فالجائحة، بالإضافة إلى الضغط الكبير الذي مارسته وتمارسه على المنظومة الصحية لجميع البلدان، متحدة أو منفردة، قد أرخت بظلالها على القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، بفعل التداعيات التي فرضتها على هذين المجالين. والأسوء من كل ذلك، أنه إذا كانت المنظومة الصحية ستتعافى بُعَيد تطويق الجائحة وإيجاد اللقاحات المناسبة، فإنه على المستوى الاقتصادي، ستتسبب جائحة كورونا كوڤيد-19 في انكماش للاقتصاد العالمي على المدى القريب وحتى المتوسط، سيتطلب جهودا، وكذا تضحيات للخروج منه، شبيه بما وقع في الأزمات السابقة التي عرفتها البشرية وأخص بالذكر أزمة 1929 وماتلاها، إذ هي أشد وطأ من الأخيرة التي عرفها العالم في سنة 2008.
* اتخذ المغرب اجراءات احترازية لمنع تفشي الوباء، كيف تصف هذه الإجراءات من جانب اقتصادي؟
*** صعبة وشجاعة في آن واحد، مثل الدواء المر الواجب تناوله. لا يخفى على أحد بأن الإجراءات الاحترازية التي اتخذها المغرب تتطلب شجاعة وعزْما، لتبنيها أولا في الوقت المناسب، وهو ما مكننا من تجنب أن تخرج الأمور عن السيطرة، كما وقع للأسف لعدد من الدول، ثم، ثانيا، لاتخاذها علما بأنها ستكون لها، لا محالة، تداعيات سلبية على الاقتصاد الوطني. لحسن الحظ، يتوفر المغرب على هوامش مريحة للعمل من الناحية الماكرو-اقتصادية تمكنه من مجابهة تداعيات هذه الأزمة ومن تدبير المرحلة الدقيقة الراهنة. لكن أملي كله ألا يطول أمد هذه الجائحة، كي لا تزيد تداعياتها تعقيدا وصعوبة. قلت سابقا بأن هذه الجائحة هي مصدر أزمة وهي صدمة للاقتصاد الوطني، وهي بذلك تشكل تحديا للقدرة التدبيرية للفاعل في الشأن العام، مع ما يتطلبه ذلك من حنكة و تبصر وبعد نظر. أعتقد أن ما هو أكثر صعوبة في مثل هكذا ظروف هو الإجابة عن السؤال (وهو بالمناسبة سؤال نطرحه جميعا): إلى متى ستدوم هذه الجائحة، ومعها هذه الأزمة؟ ما يهمني أنا هنا بالخصوص، ليس هو الجواب عن السؤال وإن كنت أَوَدُّه، بل أن يَعِي المدبر للشأن العام بحتمية الاستعمال الرشيد للوسائل والإمكانيات، وهوامش الفعل (les marges de manœuvre) التي يتوفر عليها، دعنا نسميها الأسلحة، ماليةً كانت أو إنتاجية أو ميزانياتية، أو كيفما كان شكلها، وذلك بتوزيعها الذكي والمدروس على الزمن الذي سيستغرقه هذا الأمر الجلل، من دون أن تُستنفذ هذه الذخيرة كاملة، وإلا سنسقط، لا قدر الله، في مواضع لا تحمد عقباها. لذلك قلت بأننا في حاجة لبعد نظر. لاحظ أنني ٱستعملت معجما حربيا، لأننا، والحالة هاته، في حرب مع عدو مجهري لا نراه، أعتقد أن هناك من الدول من وصفت الحالة بأنها حالة حرب، وأحْسبها كذلك. طلبت مني أن أصف هذه الإجراءات من جانب اقتصادي، وسأجيبك باستعمال مصطلحات اقتصادية: لا شيء أغلى من حياة الإنسان.
*الإجراءات الاحترازية والصحية فرضت تدبيرا ازماتيا لجوانب اقتصادية،ماهي الانعكاسات الأولية لهذا التدبير ؟
1) ماهي أهم القطاعات المتضررة؟
2) كيف ترى الانعكاسات المستقبلية لجائحة كورونا على الاقتصاد الوطني المغربي؟
3) ماهي السبل الكفيلة بالحد من هذه التأثيرات ؟

**من المؤكد أن كل القطاعات الانتاجية سيكون لها نصيب من تبعات هذه الجائحة، تتفاوت حدته حسب درجة تعرض كل قطاع للأزمة. لكن ما هو مؤكد إلى حد الآن هو أن القطاعات المرتبطة بالخارج هي المتضررة أكثر، منها، ما نسميه في المغرب، بالمهن العالمية، وهي السياحة والمنتوجات الموجهة للتصدير (السيارات، قطع غيار الطائرات، الصناعات الغذائية والمنتوجات الإلكترونية)، بحكم الإجراءات المتخذة التي خفضت من حجم الانتاج ومن التصدير، سواء في المغرب أو في البلدان المستوردة لهذه المنتوجات. أضف إلى ذلك، تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج التي ستتراجع لا محالة بفعل الأزمة التي عمت غالب دول إقامتهم. كل هذا مجتمعا سيكون له وقع سلبي علي الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة وسيؤثر على الميزان التجاري وعلى ميزان الأداءات . ستنقص حدة هذا الوقع، إذا علمنا أن سعر البترول قد تأثر أيضا وهو في تراجع، مما سيخفف من ثقل الفاتورة الطاقية على الميزان التجاري.

**بالإضافة لما ذكرته سابقا، ستتخذ انعكاسات جائحة كورونا على الاقتصاد الوطني، طابعا شموليا إذ إنها ستشمل جميع الميادين. كل هذا سيكون له أثر سلبي كبير على نسب النمو. فإذا كان المغرب قد حقق نسب نمو ايجابية علي مدى سنوات متعددة متتالية، من المرجح، أن ننهي العام على نسبة سلبية على غرار شركائنا الاقتصاديين الأساسيين. ثم إن ميزانية الدولة ستفقد مداخيل مهمة من عائدات الضرائب، بسبب تراجع أرباح ومعاملات المقاولات متأثِّرة بالجائحة. سيؤدي هذا لتراجع كبير في الإنفاق العام، وخصوصا في ميزانيات الاستثمار، وهنا الأمر السيء، إذ إن أي انخفاض في مخصصات الاستثمار، يعني أننا نضع المستقبل على المحك، وبالتالي فإن بداية التعافي لن تكون إلا بعودة الاستثمارات لطبيعتها تدريجيا.
سيتأثر كذلك سوق الشغل، فبالإضافة لما ستخلفه هدة الجائحة من فقدان كبير لمناصب الشغل، سيكون خلق فرص الشغل ضعيفا سواء من طرف القطاع العام أو الخاص، ولن يستعيد هذا السوق عافيته، إلا بعد أن تعود العجلة الاقتصادية للمقاولات إلى حالتها الطبيعية من الدوران.

**أعتقد أن أول شيء مهم في مثل هكذا حالات هو الخروج بأخف الأضرار و”أقل الضربات”، لأن الجسد الذي يتلقى ضربات أقل يتعافى بشكل أسرع. بعد ذلك تأتي الحزمة من التدابير الواجب اتخاذها لحصر تأثيرات الأزمة والحد من تداعياتها.
**لم ينتظر المغرب، كما باقي الدول، أن تمر الأزمة للتصرف، بل اتخذ عدة قرارات من شأنها امتصاص أثر الجائحة على الدولة وعلى المواطنين، بدءً بقرار إحداث صندوق خاص لمواجهة هذه الجائحة تطبيقا لتعليمات عاهل البلاد، ثم بالتدابير المتخذة مع جميع الشركاء المهنيين، وأخص بالذكر قطاع الأبناك، للتخفيف من حدة الجائحة على المقاولات بإبداء مرونة أكثر في التعامل مع حاجياتها من السيولة وفي سداد التزاماتها. ثم في اعفاء أو تأجيل تأدية المقاولات لواجباتها الضريبية والاجتماعية. كل هذا من أجل خلق نوع من التعبئة الوطنية الجماعية لمواجهة الجائحة. لكن الآن ماذا بعد الجائحة؟ أعتقد أنه يجب أن نهيئ أنفسنا لمواجهة سنتين أو ثلاث سنوات عجاف ما بعد الجائحة، وأظن هذا السيناريو من السيناريوهات المتفائلة، ما لم يكن عدد هذه السنوات العجاف التي تنتظرنا أكثر من ذلك. وعلى أي، هذه الأزمة بينت الحاجة إلى “الدولة” وإلى “مزيد من الدولة” لتحمل تدبير وإدارة أمور الناس. وهنا لا يفوتني القول بأنه على المستوى العالمي، ولا على مستوى الدول، ولا حتى على مستوى الأفراد، “ما قبل كورونا”، لن يكون مثل “ما بعد كورونا”، سيعاد ترتيب الأولويات، وتعالج مكامن الخلل. بالنسبة للمغرب، جائحة كورونا أثبتت لنا شيأين اثنين: الأول هو أننا لا بد أن نسرع من عملية البناء المؤسساتي الذي انتهجناه سبيلا، حتى يكون منسوب الثقة بين الدولة، دولة المؤسسات، وبين المواطنين بما يكفي لمواجهة تحديات العصر. الثاني، لا بد لنا أن نعيد تحديد أولوياتنا، ولا نختلف كثيرا بأن التربية والتعليم والصحة والتكنولوجيا والرقمنة قطاعات مصيرية ترهن كيفية التعامل معها ومعالجتها كامل مستقبل البلاد.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.