صحراء الملثمين.. مجتمعات الساحل الأفريقي تقاوم كورونا بأزيائها

علاقة مجتمعات الساحل الأفريقي باللثام ليست وليدة الظروف الطارئة المرتبطة حاليا بانتشار جائحة كورونا “كوفيد-19” عالميا، بل هي جزء أصيل من تراث وثقافة، بل هوية هذه المجتمعات فرضته الطبيعة الصحراوية وظروف المناخ.

هكذا مثّل اللثام في عصرنا الحاضر، بالنسبة لهذه المجتمعات، بديلا للكمامات التي أصبحت إلزامية في الأماكن العامة لمقاومة عدوى كورونا التي ينتشر في جميع بلدان المنطقة.

وشهد الإقبال على اللثام في موريتانيا إحدى بلدان الساحل، رواجا كبيرا، خلال الفترة الأخيرة مع فرض إلزامية الكمامة في الأماكن العامة والأسواق، لمقاومة الجائحة، وسماح السلطات الصحية باللثام كبديل للكمامة مع ضرورة المحافظة على نظافته الدائمة.

وغطت معارض أنواع “اللثام” واجهات الكثير من أسواق الزي التقليدي الموريتاني، مع تضاعف كبير في أسعارها مع رغبة الأغلبية في ارتداء اللثام بديلا عن الكمامات في تحركاتهم خارج المنازل، وأثناء العطل الأسبوعية، فيما اختاره بعض الموظفين والعمال كذلك في أمكان دوامهم.

اللثام أو “الحولي”

يُسميه الموريتانيون أيضا العمامة أو “الحولي”، بالدارجة المحلية، وهو عبارة عن غطاء من القماش الأبيض أو الأسود غالبا يُلف على الرأس، يُلبس مع “الدراعة” أو الفضفاضة، التي تعتبر هي الأخرى كذلك رمز اللبس التقليدي للرجل، ويكثر عليه الإقبال في الأعياد والأفراح، وخاصة الأعراس، وكذلك المناسبات العامة.

ويلبس الموريتانيون اللثام (الحولي) بطرق مُختلفة، فهناك من يلفه حول الرأس، وهناك من يضعه حول العُنق مثل كوفية، وهناك أيضا اللثام الكامل الذي لا يُظهر من الوجه سوى العينين، ويوازي اللثام في رمزية بالنسبة للموريتانيين وشعوب الساحل عموما رمزية الكوفية الفلسطينية.

وكما يمثل اللثام ميزة تراثية وهوية ثقافية، يلبي أيضا حاجة من يرتدونه في ظروف مختلفة، فهناك من يرتديه نظرا لظروف سفره في البراري والصحاري ذات الظروف القاسية، أو حين تسوء حالة الطقس، أو حين يكون الجو حارا جدا بحيث يحمي من الشمس الحارقة.

تراث وهوية

عرفت منطقة الساحل الإفريقي والصحراء الكبرى، قديما لدى بعض الرحالة بأرض الملثمين، نسبة لمكانة اللثام في الزي التقليدي.

ولا يعد اللثام الآن في موريتانيا، فقط، ضرورة فرضتها ظروف المناخ سابقا، والظروف الصحية الآن عالميا، بل يراه البعض نوعا من التمسك بالأصالة وتراث الأجداد وتشبثا بعادات وتقاليد المجتمع، بل وبحيائه كذلك يقول شاعرهم في هذا المنحى:

لما حووا إحراز كل فضيلة

غلب الحياءُ عليهمُ فتلثموا

ففي مجتمع الطوارق مثلا كأحد مكونات منطقة الساحل السكانية يكون للثام بعد أخلاقي يعكس مستوى شخصية الفرد والتزامه الديني ويتعلق الأمر بضرورة حجب اللسان والشفتان عن لا يليق.

ويسمى اللثام باللهجة الطوارقية “التمهاقية” وهو قطعة من قماش مصنوعة في السودان الصحراوي( مالي والنيجر). ويلبس نبلاء الطوارق اللثام الأزرق، وهو اشارة على علو المكانة الاجتماعية، اما الاتباع فيلبسون اللثام الابيض.

وتشير طريقة ارتداء اللثام عند الطوارق الى القبيلة التي ينتمي اليها الفرد، ومن المفارقات أنه اذا نزع الطوارقي لثامه فمن الصعب التعرف عليه، لان اللثام يشكل في الحقيقة جزءا من شخصيته وهويته، ولذلك لا يمكن التنازل عنه والتساهل في نزعه.

إلزامية الكمامة

قررت موريتانيا، في 18 مايو الجاري، فرض ارتداء الكمامات في الأماكن العامة والأسواق ووسائل النقل، ضمن سلسلة إجراءات أقرتها اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة انتشار فيروس كورونا المستجد في البلاد.

وقال وزير الداخلية الموريتاني محمد سلام مرزوق إن تسجيل إصابات جديدة بالفيروس جعل السلطات تقرر فرض وضع الكمامات، أو ما يقوم مقامها (اللثام) في الأسواق والمساجد، وتلغي مجددًا صلاة الجمعة، وتمنع من هم دون الـ12 عاما من دخول الأسواق والأماكن العامة، حفاظًا على سلامة المجتمع.

من جانبه أكد وزير التجهيز والنقل الموريتاني محمدو أحمدو أمحيميد المتحدث باسم اللجنة، خلال مؤتمر صحفي، أن الإجراءات الجديدة تأتي بعد تقييم الوضع الوبائي في البلاد عقب موجة الانتشار الحالية للوباء.

وأشار إلى أن الإجراءات الجديدة تشمل إنشاء 3 مراكز استقبال في نواكشوط بإشراف وزارة الدفاع فى مواجهة فيروس كورونا، لتعزيز الطاقة الاستيعابية للمستشفيات.

وأوضح المتحدث باسم اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة “كوفيد- 19″ أنه تم إغلاق مدينة نواكشوط، ضمن هذه الإجراءات الجديدة، من أجل ما وصفه بـ”التحكم في الوضعية الوبائية”.

العين الإخبارية – نواكشوط – إبراهيم طالب

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك