اِحياء ذكرى معركة وادي المخازن يحيلنا على الحظ العاثر للسلطان عبد الملك السعدي في بلاد الهبط.

 

الفكرة قديمة راودت الكثيرين، ولكن يبدو أن تنزيلها على أرض الواقع ليس بالسهولة التي تصورها بعضهم، فالأفكار الكبيرة تحتاج إلى همم عالية وقدرات ثابتة وعزائم صلبة، من البديهي أن تشخيصا دقيقا لنقاط قوة وللفرص المتاحة لبلدة مثل القصر الكبير سوف يقف عند تراثها التاريخي كفرصة سانحة لمشروع تنموي محلي ناجح.. غير أن التداول لهذا الحدث أخذ منحى أبعد ما يكون عن الصواب، ولهذا باء بالفشل.
فالاحتفالات الرسمية التي تقام كل سنة بالمناسبة أصبحت مملة تجتر خطابا خشبيا مهترءا نفر منه الجميع، والتخليد الذي يأخذ منحى حزبيا فئويا لم يستطع أن يتجاوز نشوة النصر العسكري لينتقل الى فرصة للتلاقي والتعاون مع خصوم الأمس في خطوات تكرس دبلوماسية شعبية نحن في حاجة إليها، وقد حاول المجتمع المدني ايضاً تملك المناسبة بعد ان قدمت جمعية برنامجا طموحا استحسنه العامل السابق فؤاد الرايس ووعد على أن يعمل على تمويله، لكنه لسوء الحظ تحول بقدرة قادر الى يوم المهاجر بالعرائش واحتلت منصته من النقاش والخلق والابداع الى “دردكات” الشيخات ونشاط من نوع آخر، إلى أن رفعت الجامعة للجميع انذاك التحدي وأنزلت برنامجا حافلا يجمع بين الفكري والثقافي والترفيهي الشعبي والفني الجمالي، فكانت ندوات فكرية شارك فيها خيرة العلماء الوطنيين والدوليين وتخلل هذا الاحتفال الشعبي مسيرة الفرسان والخيالة في جو من الحبور والفنتازيا، وكان المنتدى يعرف بنفسه من خلال عروض فنية ولوحات فنية تشكيلية ومعارض الصور تخلد للذكرى المجيدة، وركز المنظمون على تخليد المناسبة بعرض افلام في الهواء الطلق وتنظيم ورشات تكوينية يؤطرها أساتذة أكفاء، لقيت استحسان المتتبع الرسمي والشعبي، ورغم كل العراقيل التي كانت توضع أمام هذه النجاحات من طرف مختلفين وبكل الوسائل، بما فيها دس وشاية كاذبة تدلل على أن البعض من المنظمين يعادون القضية الوطنية، وكذلك محاولة مرادفة المهرجان بخلق مهرجان آخر له في نفس اليوم والساعة والقاعة، بل حتى محاولة تهريب المتدخلين أحيانا، ورغم ذلك كانت الفعاليات تسمتر وتحقق نجاحات لافتة، كانت تكلل دائما بالنجاح مما جعلها في مناسبة سابقة تتشرف بإشادة سامية من عاهل البلاد، وبدأت مناسبة هذه الذكرى تجذب مشاركة هيئات رسمية ودبلوماسية من دول أخرى منها دولة البرتغال التي أصبحت شريكا في كل الأنشطة، ممثلة في سفارتها بالمغرب أو عبر مركزها الثقافي بالرباط، وكذلك شاركت دولة تركيا ممثلة بسفيرها بالرباط بمعية مسؤول المتاحف باسطمبول، ولم يفت وزارة الثقافة والمندوبية السامية للمقاومة وجيش التحرير واللجنة الوطنية للتاريخ العسكري الفرصة لترك بصمات مشاركتهم في هذا التجمع التاريخي الذي كان يقام مرة في السنة بعاصمة اللوكوس مدينة القصر الكبير في 4 من غشت من كل سنة.
ولعلي بسردي لهذا التاريخ انوي تبليغ رسالة هامة من أن تسييس التاريخ او احتكاره من طرف جهة تريد انجاح ملحمة تاريخية بوسائل وأشخاص تنتهز أي عمل حتى ولو كان من اختصاص نخبة أكاديمية، فإنها ولو كان على رأسها تاج نابليون فإنها حتما سيكون الفشل مصيرها.. وللأسف سطع في يوم من الأيام من على منصة الخطابة بدار الثقافة صوت نشاز كان الجميع يعتبره صاحب الفكرة والإخراج لكن تصريحه ذاك بأن رئيس “الصدفة” هو المثقف المبجل الذي لم يسبق قبله أي رئيس وهو الذي لن يعوض، جعل النفور من هذا الجمع ملزما، وهذا التصريح كان بداية النهاية لهذا المشروع الذي نال رعاية مضافة من الكنفدرالية الألمانية ومسؤولين آخرين من نفس الدولة الأوروبية.. وبذلك كانت الضربة التي قصمت محور الطبل والطبال يخبط بيده.
وقد نزلت النسخة الرابعة هذه السنة مسخا لا علاقة له بسابقيه، ولازالت أنبه العقول تتساءل في حيرة كيف استطاعت ندوة فكرية أن تجمع بين متدخلين في التاريخ، ومزج ذلك بقضية تجارية مهنية تخص أصحاب المقاهي، ومتدخل من الصيادين بالقصبة ( من دون الانتقاص من أصحاب المهنة الأولى والهواية الثانية)، وقد تم الاعلان عن ندوة افتراضية حتى لا نقول “وهمية” لأن دخول الكائن الانتخابي على الخط وجعل الجمعية تتيه بين إقامة أنشطة (بلي جاب الله) أو تأجيله، لكن بدى له أن العرس سيكون بدونه في الموعد اللاحق فأصر على التنظيم حتى وأنه صار يقترح الأشخاص والأسماء وعناوين المداخلات، وصار الحديث فقط ملأ الأجندة حتى يبدو للممولين أن نشاطًا مكثفًا قد تم، وبذلك سادت أنشطة المرق بصلطة المانية، بينما أن الحمار فقط مصبوغ ومعروض بالسوق وسينكشف أمره إذا عجل الله بالغيث.
آن الأوان أن يرفع المتطفلون أيديهم عن الفعل الثقافي ومن ضمن ذلك ذاكرة مشتركة بين كل المغاربة وهي معركة وادي المخازن، وحبذا لو تبنى الأمر هيئات من فعاليات مختلفة وازنة يكون قرارها مستقلا، ويكونوا من الزهاد.
واخيرا فان حظ السلطان عبد الملك السعدي، حظ تعس، فهو لم يحضر وينعم بانتصار جيشه، ولم يستثمر انتصاره في العودة إلى الضفة الشمالية.. وتساقطت الثغور تلو الأخرى، ولازال الاحتفال بامجاده يتعثر ولن يكون في النهاية سوى منبرًا آخر يعتليه -الرئيس الذي لا يعوض- في حملته الانتخابية القادمة.

مقالات ذات صلة

Close

اكتشفنا مانع الإعلانات نشط على جهاز الكمبيوتر الخاص بك.

يرجى النظر في دعمنا عن طريق تعطيل مانع الإعلانات الخاص بك