الحسين ايت احمد…. اخر الكبار

ماجد برهومي

شيع الشعب الجزائري منذ أيام معدودات أحد أهم زعماء ثورته المباركة التي دحرت استعمارا جثم على صدره لأكثر من قرن وثلاثة عقود من الزمان. إنه إبن منطقة القبائل حسين آيت أحمد أو «الدا حسين»

كما يحلو للبعض أن يناديه للربط بينه وبين تلك الربوع القبائلية التي تصدت للغزاة من شتى الأصقاع منذ أقدم العصور.

قاوم الرجل استعمار فرنسا لبلاده مع مصالي الحاج في حزب الشعب ثم ارتحل إلى القاهرة مثل أغلب الزعماء المغاربيين في زمن كانت فيه مصر مقصدا لحركات التحرر المغاربية الباحثة عن دعم عربي لقضاياها. وكانت له محطات نضالية خارجية أخرى شملت باكستان والهند وأندونيسيا وكان حضوره بارزا في مؤتمر باندونغ الشهير سنة 1955 كما كان من مؤسسي مكتب جبهة التحرير الوطني الجزائرية في نيويورك.

هذا باختصار شديد حسين آيت أحمد المناضل ضد القوى الغاشمة التي أطبقت على موطنه والذي كان واحدا من تسعة كبار فجروا الثورة الجزائرية سنة 1954، ثورة ارتجت لعظمتها أركان المعمورة وسقاها أحرار العالم بدمائهم الزكية ومواقفهم السياسية البطولية. لقد رحلوا جميعهم وكان هو آخر الملتحقين بكوكبة من الأبطال الذين يصعب أن يجود الزمان بأمثالهم في كل عصر.
عارض حسين آيت أحمد حكومات الجزائر المتعاقبة حتى أن البعض ممن اقتسموا كعكة الحكم، التي عف هو عنها، اعتبره «الإبن الضال» للثورة الجزائرية وسعى إلى «إعادته إلى الجادة». لكنه رغم ذلك تمسك بقناعاته ولم يغره ألق كراسي السلطة والعروض التي هدفت إلى إثنائه عن أن يصدح بالحقائق فعاش منفيا في رحاب القارة العجوز وتحديدا في سويسرا التي درس فيها الحقوق ولم يحضر حتى جنازة والدته باعتباره كان مهددا بالسجن.

عاد إلى بلاده مع الإنفتاح الذي عرفته أواخر عهد الشاذلي وانخرط مجددا في العمل السياسي على أرض الجزائر وعادت الروح مع عودته إلى حزب القوى الإشتراكية. ثم ترشح إلى الإنتخابات الرئاسية أواخر التسعينات بعد أن غادر البلاد سنة 1992 إثر اغتيال محمد بوضياف، وانسحب من هذه الإنتخابات لاحقا مع مرشحين آخرين بتبريرات اتفق معها البعض واختلف معها البعض الآخر.

يقال أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون كان من تلاميذ آيت أحمد بجامعة بوستن حيث عمل الأخير لفترة أستاذا محاضرا. وقد أعرب كلينتون في مناسبات عن إعجابه بهذا الرجل وسعى مرات عديدة إلى لقائه ولم يتردد في السؤال عنه كلما سنحت الفرصة.

نعاه مثقفو الجزائر وسياسيوها وإعلاميوها وفنانوها وأدباؤها وحتى طبقتها المهمشة والفقيرة واعتبره البعض الضمير الحي لبلد المليون شهيد. وشيع جثمانه حشد جماهيري كبير فاق في نظر البعض مشيعي بومدين، أحد العمالقة الكبار، حتى أن البعض اعتبر الأعداد الهائلة للمشيعين استفتاء على شعبيته إنصافا له ولا حاجة له بصناديق اقتراع لتوصله إلى سدة الحكم، لأن سدة قلوب الجماهير هي الأهم.

اعتبرته الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي، سليل « المرابطين « والأولياء الصالحين باعتبار نسبه بمنطقة القبائل التي ينحدر منها. وخاطبته قائلة «نم قرير العين أيها الغالي فالجزائر التي جاهدت من أجلها ، وهرمت في حبها ، قالت لك بالدموع والزغاريد « أحبك «.

لقد رحل آخر الكبار في الجزائر وفي المنطقة المغاربية التي اندمجت فيها حركات التحرر ببعضها البعض وتداخلت وارتبطت مصائر شعوبها. والتحق ببورقيبة وحشاد والثعالبي ومصالي الحاج و بومدين و عبد الكريم الخطابي والمهدي بن بركة وعلال الفاسي وغيرهم تاركا هذا العالم لاشباه الزعماء والسياسيين فهو عصر لا مكان فيه للكبار.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.