الإخوان المسلمون وفكرة التمكين: مقتل حركات الإسلام السياسي

أعادنا سلوك حركة النهضة في تونس مؤخرا إلى قلق جديد على مستقبل الديموقراطية في تونس، وبالضرورة سيكون من واجب النهضة أن تقلق على مستقبلها بالذات، وقد عبّر الدكتور عبد الفتاح مورو من داخل النهضة عن هذا القلق. فكما أصبح معروفا، فإن للرئيس النونسي قيس بن سعيّد اعتراضات على بعض الوزراء في التشكيلة الجديدة للوزارة التي شكلها رئيس الوزراء هشام المشيشي، لأن بن سعيّد يرى في خلفيات أولئك الوزراء أمورا تَعيبُهُم. وبناءً على ذلك قرر الرئيس عدم الموافقة على قيام أولئك الوزراء بأداء اليمين الدستورية أمامه تأكيدا لرفضه الموافقة على تعيينهم، علما بأن رفض الرئيس يستند إلى الدستور الذي يعطيه ذلك الحق، ولذلك فإن راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، رئيس البرلمان التونسي، لم يتهم موقف الرئيس بعدم دستوريته، بل إنه لم يرّ حلا للمعضلة سوى أن يطالب بتغيير النظام الرئاسي إلى نظام برلماني “متكامل”. وهذا يعني أن دور رئيس الدولة يصبح “شكليا” حتى بتعبير الغنوشي ذاته، أي أنه يطالب عمليا بتعديل الدستور بشكل جذري. لماذا؟ لأن في هذا التغيير تتحرر الغالبية الإسلامية التي يقودها الغنوشي من آليّة دستوريه تكبح جماح الأغلبية التي تريد حقا الوصول إلى الاستئثار بالسلطة. وهنا تكمن الخطورة التي قد تؤدي إلى تدمير الديموقراطية التونسية التي استطاعت وحدها أن تنجو حتى الآن من مؤامرات “الربيع العربي” الذي تم استثماره من قِبَل أعداء الثورة أو الثورة المضادة، كما حدث في البلدان العربية الأخرى، وكما حدث في الكثير من دول أوروبا الشرقية والثورات “الملونة” أو “المعطّرة” بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

ومع الأسف الشديد، وبعد أن شعرنا خلال السنوات التي تلت نكبة الإخوان في مصر، أن أخوان تونس (النهضة) قد تعلموا الدرس واكتسبوا شيئا من المرونة وقبلوا بالتعددية الحقيقية التي لا تقصي أي قوة سياسية حتى ولو كانت أقلية. أو أنهم تعلموا الدرس إذا استذكروا ما حدث في الجزائر خلال التسعينيات حينما حصل الإسلاميون على أغلبية ساحقة في الانتخابات (حيث اقتربوا من التمكين)، أو استذكروا دور الإخوان المسلمين في سوريا الذين وقفوا مع القوى الأجنبية ل “تغيير النظام” ليصلوا إلى (التمكين)، وساهموا ما ساهموا في تدمير وطنهم الغالي.

لقد تذكر الغنوشي فكرة “النظام البرلماني”، ولكنه لم يتذكر أليّة أخرى، هي الرقابة المتبادلة والتوازن، التي تعني إمكانية كل واحدة من السلطات الثلاث أن تراقب السلطتين الأخريين لمنع طغيان إحداها على غيرها، بحيث يتحقق التوازن للنظام ككل، مع وجود شكل من أشكال فصل السلطات.

في كل الحالات التي حدثت فيها نكسات مدمرة للإخوان في العالم العربي كان هناك عامل مشترك، وهو فكرة التمكين، وهي تستند إلى آيات في القرآن الكريم، وبخاصة الآية (٤١) من سورة الحج: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر). والتمكين فكرة أساسية في أدبيات الحركة، فمراد الإخوان وكل حركات الإسلام السياسي الوصول التام للسلطة كما يدل على ذلك مفهوم التمكين، أي السيطرة التامة على القرار العام، وهو تحقيق مشيئة الله في أن يتولى الحكم “عباده الصالحون”. وقد رأينا ذلك واضحا في انتخابات الرئاسة المصرية في رفض إخوان مصر تأييد أي مرشح للرئاسة إلا أحد أعضاء تنظيم الإخوان، ومن هنا كان رفضهم تأييد ترشيح الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح (وشخصيات إسلامية أخرى)، مع أنه كان شخصية إسلامية معتدلة ومرموقة في مصر بعامة، وكان يحظى بدعم شعبي واسع، ولكن الحركة كانت قد فصلته سابقا لاختلاف في الرأي. وأصرت الحركة على تقديم مرشح أخواني “ملتزم”، وكان هذا الترشيح في النهاية من نصيب المرحوم الدكتور محمد مرسي، وعرفنا جميعا ما حدث بعد ذلك.

ومن المفارقات التي تثيرها محاولات التمكين أن حركة النهضة (الغنوشي بالذات) كان في رؤيتها، على ما يبدو، تقليد ما فعله الرئيس إردوغان في النظام السياسي التركي، حيث استمر في تعظيم قوة رئيس الجمهورية حتى أصبح إردوغان ذاته يسيطر تماما على القرار، تدعمه أغلبية برلمانية. ولكن الوضع في تركيا يختلف عنه في تونس، ففي تركيا نظام سياسي مستقر وممارسة شعبية وحزبية ناضجة، أما الوضع في تونس فهو نظام سياسي يبحث عن الاستقرار وقوى كثيرة تتحدى النهضة وتهدد بعدم الاستقرار، مقترنا بسهولة تدخل القوى الخارجية. ولذلك يُخشى أن يؤدي إصرار الغنوشي على تعديل الدستور بالطريقة المقترحة، بحيث يصبح لا خيار لرئيس الجمهورية إلا أن “يبصم” على ما يقدمه له رئيس الوزراء، أن يتحول النظام إلى “دكتاتورية الأغلبية” وضياع خاصية التوازن التي يحققها النظام الدستوري الحالي.

ولكن من الملاحظ أن إردوغان نجح في تقوية مركز رئيس الجمهورية وإلغاء وظيفة رئيس الوزراء، بينما يريد الغنوشي (حاليا) تقوية مركز رئيس الوزراء وإضعاف مركز رئيس الجمهورية، ولكن الهدف لدى إردوغان والغنوشي واحد، وهو تمكين الإسلاميين، سواء كانت لهم رئاسة الدولة أو رئاسة الوزراء! ولكن بنظرة أخرى، فربما يهدف الغنوشي إلى ما هو أبعد من ذلك: فبعد أن تنجح النهضة في تعزيز قوة رئيس الوزراء، افتراضا، وبما لدى النهضة من أغلبية، يريد الغنوشي أن يعدل الدستور النونسي مرة أخرى بحيث تلغى وظيفة رئيس الوزراء ويكون رئيس الجمهورية الكل في الكل، مثل إردوغان، ومن ثم، يتم انتخاب الغنوشي رئيسا مطلقا الجمهورية (بلا رئيس وزراء)، تماما مثل إردوغان، وهنا تتلاقى الرؤيتان تماما في تركيا وتونس!

قد ينجح الإخوان في تونس في تحقيق شكل من أشكال “التمكين”، ولكن يجب أن تفهم النهضة وحركات الإسلام السياسي، بل وكل أصحاب العقائد التي تهدف إلى السيطرة التامة على القرار العام، أن النجاح سوف يكون مؤقتا ولكنه سيفتح الباب مشرعا أمام الصراع المسلح بين القوى السياسية المختلفة، لأن النظام الديموقراطي الذي سينجح في هذا العصر هو النظام التعددي الذي يملك آليات التوازن والرقابة المتبادلة بين السلطات الثلاث، مع وجود التزام بهذا المفهوم لدى القوى السياسية المختلفة.

ونرجو ألا يؤدي هذا الخلاف داخل تونس، بسبب رغبة النهضة في التمكين، إلى تدمير ما حققته تونس من ديموقراطية، وبذلك يسقط الاستثناء الوحيد الذي نجا من مؤامرات “الربيع العربي”.

د بشير محمد الخضرا.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.