ذكريات من الرباط

زينبا بنحمو

مددت ورقة نقدية للموظف عند شباك التذاكر على سكة الترام واي، وطلبت تذكرة، اعتذر وقال أنه لا يملك فكة، انسحبت وجلست على أحد الكراسي على الجانب وبحثت في حقيبة يدي، هناك دائما تذاكر غير مستعملة بحقيبتي…

بعد ثواني، جاء رجل ستيني، بهندام مرتب نظيف، يدل على أنه عامل بسيط، ومد لي تذكرة وقال بعفوية:
تفضلي، لقد اشتريت تذكرتين من بائع الجرائد هناك، ذهبت أبحث عنده عن فكة، فوجدته يبيع التذاكر. نظرت إليه بتوجس واستغراب، ولم أمد يدي لآخدها، لكنه اصر بباسطة وعفوية، كان يتحدث لهجة اهل دكالة، صرت أميز لهجتهم، فأنا أزور مدينة الجديدة بحكم الدراسة. واعلم أن أهل دكالة اهل كرم، وهذا الرجل قطعا يقوم بهذه المبادرة بحسن نية.
كنت أهم بالوقوف لاتبعه، لأرد التذكرة فقد وجدت تذاكر صالحة بحقيبتي، ووجدت أيضا بعض المفقودات وبعض المتلاشيات، حقيبة يدي من كثرة التنقل صارت تتحول إلى مطبخ، ودولاب…
لكني وقفت وجلست في الحين، ادركت ان الرجل كان سعيدا بمبادرته، سعيدا بتلك البادرة الحسنة، وربما يتحدث عنها لأبنائه هذه الليلة..
فلم ارغب في حرمانه من فرحته، ولم أشأ ان أحرمه أجر تلك الصدقة..

تذكرت مرة، شابا في بداية العشرين من العمر ،وضع يده على حقيبة سيدة، تبدو في الأربعين من العمر، ليحملها عنها عند الصعود إلى القطار، سحبت منه الحقيبة بعنف أمام الملأ ونهرته، شعر الشاب بالاحراج، وبدى مرتبكا..
اشفقت عليه مما بدر منها، ولأنقذ الموقف دفعت حقيبتي أمامه متعمدة، نظر إلي، ابتسمت له ونظرت إلى حقيبتي.
حملها عني وصعد، فتبعته وانا أدعو له بصوت مسموع ان رحم الله بطنا حملتك. ورحم رجلا رباك، ورحم من علمك.
لم يترك حقيبتي حتى جلست بمكاني، رفع الحقيبة إلى حيث توضع الحقائب بالأعلى، وذهب منشرحا بعد أن انقدته من الإحراج..

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button

مانع الإعلانات

إذا تمت إعادة توجيهك إلى هذه الصفحة ، فمن المحتمل أنك تستخدم برنامج حظر الإعلانات.