خواطر حول «سابقة تونس»  

 

منصور الجمري

 

مقابلة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي مع الصحافة البحرينية في 28 يناير/ كانون الثاني 2016 كانت مهمة لأنها أوضحت عدداً من القضايا التي تشغل بال العالم منذ انطلاقة ثورة الياسمين في نهاية 2010، ومن ثم اشتعال ثورات واحتجاجات الربيع العربي في العديد من الدول العربية. الرئيس التونسي، مثلاً، استذكر ما قاله ابن خلدون الذي ولد في تونس العام 1332م، وتوفي في مصر العام 1406م، عندما وصف كيف أن البشر «يصعدون لسدة الحكم ولا ينزلون إلا بسفك الدماء… لكننا في تونس ولأول مرة خالفنا ما قاله ابن خلدون فأنزلناهم من دون عنف أو دماء وهي سابقة عند العرب جميعا».

 

ما أشار إليه الرئيس التونسي يستحق التأمل، لأن العملية السياسية في منطقتنا تغطيها الدماء، ويسكن السياسيون إما في القصور أو السجون، وما بينهما برزخ من المعاناة التي لا تراها لدى الأمم الأخرى.

 

فمن المفارقات التي نراها في المشهد السياسي العربي، مثلاً، تكرار مصطلحات تؤكد ما أشار إليه الرئيس التونسي، اذ قد تسمع من يكرر أن هناك قوى «الموالاة» في مقابل قوى «المعارضة».

 

هذه المصطلحات لا يمكن أن تجدها في بلدان متقدمة سياسياً. ففي بريطانيا مثلاً، ستجد أن هناك حكومة، وهناك أيضاً معارضة، لكن الحكومة تسمى «حكومة صاحبة الجلالة»، في حين تسمى المعارضة «معارضة صاحبة الجلالة». وصاحبة الجلالة حالياً هي الملكة إليزابيث الثانية، وهذا يعني أن النظام الذي ترمز إليه الملكة يتضمن الحكومة والمعارضة في آن واحد، وأن وجودهما مكمل وضروري لبعضهما البعض ضمن نظام واحد يواليه الجميع، من هم في الحكومة ومن في المعارضة.

 

هذا الطرح يختلف عن مفهومي «المعارضة» و«الموالاة»، لأن ذلك يعني أن وجود هذا الطرف يشترط عدم وجود الآخر (أو إخضاع الطرف الآخر وتحويله إلى مرتبة ثانوية)، وأن النظام يتبع الموالين فقط، أما المعارضون فيسعون إلى إزالتهم وإقامة نظام آخر، وإذا نجحوا في ذلك تنقلب المعادلة فتصبح الموالاة معارضة، والمعارضة موالاة… وهو ما نراه حدث، مثلاً، في العراق.

 

ربما أن تفاؤل الرئيس التونسي من أن هذه الحالة التي تحدث عنها ابن خلدون (التونسي المولد) وجدت نهايتها في تونس، ولربما أن «سابقة» تونس ستنهي لنا مصطلح «الموالاة» و«المعارضة»، ولربما أننا سنجد طريقاً مختلفاً للسياسة لا يكون فيه السياسيون إما في القصور أو في السجون.

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button