غياب سياسةواضحة.. ستجعل استغلال الأطفال في التسول تأخذ أبعادا خطيرة

 

أحمد المرسي

 

تصنف مدينة الرباط العاصمة ضمن المدن المغربية، التي تعرف أعدادا كبيرة من المتسولين، يتوزعون في كل يوم وبأعداد كبيرة في مختلف الشوارع الكبرى للمدينة، إذ أينما وليت وجهك في وسط المدينة تجدهم أمامك من مختلف الأعمار خاصة الأطفال الذين يتم استغلالهم، منتشرين في ديكور اجتماعي بائس يستجدي القلوب بهدف استدرار ما في الجيوب، على مدار السنة وأمام أنظار الجميع لا يراعون لا الظروف المناخية القاسية ولا الأخطار التي من الممكن أن يتعرضوا لها في الشوارع، خاصة في ظل غياب سياسة واضحة للحكومة من أجل القضاء على الظاهرة.

 

أثناء تغطيتنا لإحدى الوقفات الاحتجاجية في الساحة المقابلة للبرلمان، وبينما الجموع منشغلين بالتحضيرات الأخيرة، من أجل أن تنطلق الوقفة بالشعارات المعهودة، التي تستنكر السياسات الحكومية في عدد من القطاعات الاجتماعية، ويرفعون اللافتات التي تحمل أكثر من عنوان ناقم ومندد، فإذا بطفلة صغيرة بالكاد تبلغ عقدها الأول، كانت في الجوار تخترق الجموع وتحاول بكلمات رقيقة متوسلة، أن تجلب عطف المحتجين بأن يشتروا من عندها علب “كلينيكس”، لكن وبعد أن طافت على معظم المحتجين، بدأت ملامح الطفلة تعبس وبدأ يعانقها الحزن، التي تدل على أنها فشلت في إقناع الناس المنشغلين بترديد الشعارات، فانسلت بقامتها النحيلة والقصيرة بين المحتجين وهمت بالانصراف صوب رواد آخرين للساحة.

 

تَرَكْتُ الوقفة ودفعني فضولي إلى الاقتراب منها، وقبل أن أنطق بأي كلمة ناولتني بخفة شديدة إحدى العلب، وقالت بكلمات رقيقة ومتوسلة، يبدو أنها تحفظها عن ظهر قلب أو لنقل علموها إياها “عمي شري من عندي كلينيكس..تعاون معايا الله ي..”، أخذت واحدة ، ولم أستطع أن أرفض طلبها، وبينما أسألها بضعة أسئلة، حول السبب الذي يجعلها تتواجد في الشارع، بدل أن تكون تقصد المدرسة وتلعب بجانب منزلها مع من هم في سنها وتحظى بملابس أنيقة، وعن مكان أبويها، حتى انبعثت سيدة حاملة على ظهرها طفلا صغير، قدمت نفسها بصفتها أم الطفلة، وطلبت منها بلهجة شديدة عدم التحدث مع الغرباء، أَمْسْكَتْهَا من يديها الصغيرتين، وبعدما سألتُهَا حول الخطر الذي من الممكن أن تتعرض له طفلة في مثل عمرها في الشارع، حتى بدأت بسرد قصتها بنبرة حزينة تبرر من خلالها، تواجد ابنتها في الشارع من أجل الحصول على ما يصد رمق العائلة، التي تمر بظروف صعبة، حسب قول السيدة التي تدعي أنها أم الطفلة.

أثار عواطفي إحباط الطفلة، حين عجزت عن إقناع المتظاهرين بشراء علب “كلينكس”، وسيطر على ذهني ـ وأنا في طريق العودة إلى البيت بعدما انتهت الوقفة الاحتجاجيةـ عالم الطفولة، إذ لا يخلو كل شارع في مدينة الرباط العاصمة من مشهد أطفال صغار، يتم “استغلالهم” من طرف أقرب المقربين منهم من أجل جلب عطف المارة، حيث يقضي العشرات من الأطفال طوال النهار بجوه المتقلب، في شارع الحسن الثاني المقابل للبناية (البرلمان)، التي من المفترض أن تسهر على سن القوانين الضامنة لحقوقهم والسهر على تطبيقها من طرف الحكومة، حيث يظهر بشكل جلي، على أن حقوق الأطفال آخر ما يمكن أن يسترعي الحكومة ووزارة لم نسمع عنها شيء منذ مدة ليست بقصيرة، رغم مصادقة المغرب على كل الاتفاقيات الخاصة بالأطفال.

في اليوم الموالي، وقبل أن نتوجه إلى شارع الحسن الثاني، لمعاينة أطفال بدل أن تجدهم ببسمة مشرقة تصنع لهذه الحياة معنى وديمومتها، تراهم بملامح شاحبة في كل مكان وركن، بعضهم في حضن أمهاتهم وآخرون أصحاء وبإعاقات يجلسون على قارعة الطريق، يعرضون علب “كلينكس” كذريعة من أجل التسول، ويحرصون على اختيار الأماكن التي لا تستكين أو تهدأ من المارة، فتجدهم بالقرب من المحلات التجارية ومداخل الأسواق وعلى قارعة الطرقات، بأجساد هزيلة، ونفوس مهيضة، هدها الضياع وتحالف ضدها الجوع وبرد الصباح، لتموت في أعماقهم كل معاني الحياة والرغبة في الحلم بأفق أفضل، اتصلنا برئيس جمعية منتدى الطفولة عبد العالي الرامي، بحكم أنه يشتغل عن قرب من هذه الفئات الاجتماعية، لأخذ رأيه بخصوص الموضوع، وأكد على أن غياب سياسة واضحة للحكومة من أجل القضاء على ظاهرة التسول، أدى إلى تفاقمها، بحيث أنه وفي إطار اشتغالهم وقفوا على عدد كبير من الحالات، التي يتم فيها استغلال الأطفال من طرف ذويهم، بذريعة الظروف الاجتماعية الصعبة.

وأضاف عبد العالي الرامي، على أن عدم وجود قانون أيضا، يمنع الآباء من استخدام أطفالهم في التسول، واستغلال عطف المواطنين على الطفولة بهدف استدرار الأموال، سيجعل الظاهرة تتسع وتأخذ أبعادا خطيرة، فالأطفال في كل مكان في المقاهي على قارعة الطرق..يتسولون بأنفسهم أو يتم استغلالهم في العملية، ليبدي رئيس جمعية منتدى الطفولة، تخوفه من وجود شبكات إجرامية تستغل الأطفال، في صورة تسيء كثيرا للمغرب، خاصة وأنه وقع على اتفاقيات حقوق الأطفال.

ومما لا يخفى على الجميع، على أن مدينة الرباط أصبحت مرتعا للمتسولين من كل الأعمار، بل ومن كل الجنسيات، فأينما وليت وجهك تجد ممرات الضوء الأحمر، مداخل الأسواق، أبواب المساجد، وكل الأماكن التي تعرف حركة دؤوبة للمواطنين، (تجد) مغاربة، أفارقة، وسوريين بالنظر لجوازات السفر التي يعرضونها.. لكن يبقى الملاحظ على كل هذه الفئات هو تسخيرها للأطفال في عملية التسول من طرف ذويهم، بل هناك من الأشخاص من أكدوا لنا وجود شبكات متخصصة تقوم بتوجيه وتوزيع الأطفال في الأماكن التي يمكن أن تدر أموالا كثيرا، تستفيد منها هذه الشبكات التي تنشط بكل علانية، في ذات الشارع الذي تصادف فيه طرق مختلفة لممارسة التسول، فالبعض يستجدي عطف المارة بإعاقته، وآخر بوثائق طبية يدعي بها إصابته بمرض مزمن، فيما ينتشر بشكل لافت عدد كبير من الأطفال القاصرين..

وتبين لنا من خلال هذا الاستطلاع القصير، وجود فئتين من المتسولين، بعضهم دفعت بهم الظروف الاجتماعية إلى العيش في الشوارع والتسول رفقة أطفالهم لكسب لقمة العيش، حيث تقول أم لطفلة تعرض عدد من الأوراق الطبية التي تشير إلى إصابتها بمرض مزمن (السكري)، على أن السبب الرئيسي الذي دفعها هي وابنتها للخروج للشارع، من أجل التسول يعود بالدرجة الأولى إلى حاجتهم للمال من أجل تغطية مصاريف بعض الأدوية، وما إن تفك ضائقتها المالية ستكف عن التسول، بينما هناك فئة ثانية تمتهن التسول بالأطفال لكونها تجارة مربحة، وهم عادة ما يكونون في الشوارع بشكل دائم، لم نتمكن من الحديث إليهم نظرا لطبعهم الفض والعدواني في ردودهم، غير أن الملاحظة الميدانية، تفيد بأن بعض المتسولين يستغلون الأطفال ولا تربطهم بهم أي علاقة قرابة، بدليل المعاملة القاسية لبعضهم وعدم الاكتراث بحالتهم الصحية، حيث تظهر على بعضهم أعراض الزكام والسعال، خاصة والأجواء المناخية باردة، وعلى الرغم من أن المغرب صادق على كل الاتفاقيات من أجل تجريم استغلال الأطفال كما قال عبد العالي الرامي رئيس جمعية منتدى الطفولة، إلا أن الواقع يظهر أن استغلال الأطفال في التسول أمر عادي، والأخطر أن يكون من طرف أناس لا تربطهم بهم أية قرابة.

وللإشارة حاولنا الاتصال بوزارة الأسرة والتضامن باعتبارها من بين الجهات التي يجب أن تتابع بقلق شديد، استغلال الأطفال في التسول، وكذا التعرف على ما قدمته من أجل الحد من الظاهرة، لكن من دون جدوى.

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button