سوريا بين رهانات الداخل وحسابات المحيط

مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية والإنسانية، ودخول قوى إقليمية ودولية على الخط. يتأكد يوماً بعد يوم أن إدارة الأزمة السورية لم تعد بيد الأطراف الداخلية.
أضحت سوريا محطة لتضارب المصالح الدولية وفضاء لإدارة معارك إقليمية مختلفة، لا تمت بصلة إلى الأهداف التي ناضل من أجلها الشعب السوري، وهو ما يجعل من مطلب التوصل لحل الأزمة القائمة أمراً بعيد المنال، طالما لم تتحقق رغبة أو توافق الإرادات الدولية والإقليمية.
لاحت أجواء من الأمل مع انعقاد مؤتمر جنيف في دورته الثالثة، في ظروف دولية وإقليمية مختلفة، ويبدو أن التطورات المتسارعة للأزمة على مستوى تنامي الهجرة السرية، وطلب اللجوء وما فرضه ذلك من تحديات وضغوطات أربكت صانعي القرار الأوروبي، إضافة إلى التداعيات الخطرة التي أفرزها تمدد الجماعات الإرهابية، كما هو الأمر بالنسبة لتنظيم «داعش»، وتوسيع عملياته لتطال العمق الأوروبي (أحداث باريس وبروكسل). كلها عوامل دعمت التوجه الجاد للبحث عن حل يحقن الدماء، ويمهد لتحول سياسي سلمي.
تشير الاتصالات والتصريحات الأخيرة لعدد من القوى الدولية كروسيا والولايات المتحدة، إلى وجود حد من التوافق بصدد الأزمة، وهكذا بدأ الحديث عن الحل السياسي كأساس محدد للتفاوض، مع استبعاد طرح إحدى أهم النقاط الخلافية الكبرى، المتمثلة في مستقبل نظام الأسد وموقعه من هذا التحول، وهو ما رسخته أيضاً الخلاصات «التوفيقية» التي طرحها المبعوث الأممي «ستيفان دي ميستورا» بصدد الأزمة. والتي حملت مجموعة من المقترحات والتوصيات في علاقتها بإرساء نظام حكم ذي مصداقية، وفق جدول زمني محدد، وإقرار الدستور وتنظيم انتخابات يشارك فيها السوريون كافة، بمن فيهم المهجرون، والسعي لتأسيس جيش وطني يضمن وحدة وسيادة واستقلال البلاد، مع التأكيد على أهمية التدبير اللامركزي للشؤون العامة، دون الإشارة إلى التقسيم أو نظام «الفيدرالية» الذي تصر عليه بعض القوى الكردية بالبلاد.
عندما قررت روسيا القيام بتدخل عسكري داخل الأراضي السورية لأجل محاربة الجماعات لإرهابية، وعلى رأسها تنظيم «داعش»، كانت هذه الأخيرة في أوج قوتها، بعدما بسطت سيطرتها على مساحات شاسعة من البلاد وروعت الساكنة بممارساتها اللاإنسانية والمتطرفة، ولم تكد تمضي سوى بضعة أشهر حتى برزت آثار هذه العمليات التي ضيقت الخناق على هذه الجماعات وأرغمتها على التراجع.
تضاربت المواقف والتحليلات بصدد التدخل العسكري في سوريا بين من زكاه باعتباره ينحو إلى مكافحة الإرهاب، وبين من اعتبره مجرد مناورة لحماية النظام السوري من السقوط الوشيك بعد تشديد الضغوطات عليه داخلياً وخارجياً.
وفي خضم هذه المتغيرات، وما تلاها من عقد اتفاق هدنة تتيح إيصال المساعدات الإنسانية لعدد من المناطق المتضررة، جاء التوقف المفاجئ للعمليات العسكرية الروسية داخل سوريا ليثير أسئلة أخرى، بصدد خلفياته وتداعياته، وما إذا كان سيسمح بتوفير الأجواء المناسبة لتقريب وجهات نظر مختلف الفرقاء، ودعم المسار التفاوضي والضغط على النظام والمعارضة باتجاه وضع حد للاقتتال القائم بالبلاد. خصوصاً وأن الطرف الروسي يعتبر الأمر مبادرة جدية لدعم المسار التفاوضي، ولم يستبعد إمكانية التدخل مرة أخرى في حال فشل هذه المفاوضات.
وتؤكد زيارة وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» إلى روسيا ولقاؤه عدداً من المسؤولين هناك في أواخر شهر مارس/‏آذار الماضي، أن الانسحاب جاء في سياق توافق أمريكي- روسي، حدث أخيراً، يقضي بإيجاد حل للأزمة يكون نظام الأسد جزءاً منها.
لاشك في أن هناك أيضاً اعتبارات استراتيجية ومصالح مختلفة يتقاسمها الطرفان في إطار توزيع الأدوار وتعزيز التواجد في المنطقة، لكن ذلك يشكل أيضاً عاملاً ضاغطاً باتجاه إعمال توافق إقليمي ينسجم مع التوجهات الروسية – الأمريكية.
يسعى الطرف الروسي لإدارة العديد من أزماته الإقليمية الكبرى عبر توظيف مواقفه وسلوكياته من الأزمة السورية، ويبدو أنه تمكن إلى حد كبير من ربح هذا الرهان، فهو يسعى إلى إنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وترسيخ صورة عن قطب دولي وازن، يسهم في تحقيق السلم والأمن الدوليين، وضمان مواقف غربية مهادنة من التدخل الروسي في أوكرانيا، والسماح لروسيا بلعب أدوار طلائعية في المنطقة على حساب الدور المتنامي لإيران، كونها لا تملك مقومات القوة اللازمة لذلك.
ومع ذلك، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة وروسيا تملكان إرادة حقيقية، وتصوراً موحداً يدعم مسار التفاوض بين الفرقاء السوريين باتجاه الطي النهائي للأزمة أم لا.
لا يخلو مسار تدبير الأزمة من تعقيدات وإشكالات، بين النظام ومعارضيه، ولذلك تخشى بعض الأوساط من أن يتم فرض حل على الأطراف المتصارعة من دون إرادتها.

الدكتور إدريس الكريني “عن مجلة الخليج”

 

أظهر المزيد

مقالات ذات صلة

Back to top button